فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 181

و الشاهد الرابع مفاده هو أن الرواية الشيعة الأولى المطولة تضمنت معطيات منها ما لم يثبت، و منها المُستهجن و المُستبعد، و منها غير الصحيح، و هذا يعني أنها رواية ضعيفة تلاعب بها الرواة المحرفون بالزيادة و النقصان حسب مصالحهم و أهوائهم. من ذلك ما يأتي: إنها ذكرت أن عمر بن الخطاب: قال: (( فلما كان الحباب هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام، فانه جرت بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله- صلى الله عليه واله- فنهاني رسول الله- صلى الله عليه واله- عن مهاترته فحلفت أن لا اكلمه أبدا ) ). هذه الحادثة لم أعثر لها على ذكر في الكتب الحديثية و التاريخية على كثرتها و تنوّعها. و ذلك التصرف المنسوب لعمر ليس من أخلاق الإسلام، و لا من أخلاق المسلم، و عمر -رضي الله عنه- هو الصحابي الجليل التقي الصالح المشهود له بالجنة، و من السابقين الأولين الذين مدحهم القرآن الكريم. فلا يصح أن يُنسب إليه ذلك التصرف و الحديث الصحيح يقول: (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ) ) [1] .

و المثال الثاني إنها ذكرت أن قيس بن سعد وثب (( فأخذ بلحية عمر و قال: والله يا ابن صهاك الجبان في الحرب والفرار الليث في الملأ و الأمن لو حركت منه شعرة ما رجعت وفي وجهك واضحة ) ). و هذا لا تصح لأمرين: الأول هو أن هذه الحادثة لا ذكر لها في الرواية السنية الصحيحة المتعلقة بحادثة السقيفة، بل و لم أعثر لها على أي ذكر في المصادر السنية على تنوعها و كثرتها، و لم أعثر فيها أيضا على أي ذكر لعبارة ابن صهاك، و لا صهاك، و إنما بعض المصادر الشيعية هي التي انفردت بذلك، و هذا شاهد يكفي وحده لاستبعاد هذا الخبر.

و الأمر الثاني هو أن ذلك القول-المنسوب لقيس بن سعد- ظاهر البطلان، لأنه زعم أن عمر ببن الخطاب جبان فرار في الحرب. و هذا باطل جملة و تفصيلا، لأن عمر - رضي الله عنه- معروف و ثابت عنه أنه كان قويا شديدا في جاهليته و إسلامه. و قد صحّ عن النبي-عليه الصلاة و السلام- أنه قال: (( اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام ) ) [2] ،و قال أيضا: (( ... و أشدهم في أمر الله عمر ) ) [3] . و صحّ عن ابن مسعود-رضي الله عنه- أنه قال: (( ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر ) )،و قال: (( ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ) ) [4] . و يشهد التاريخ الصحيح على أن عمر بن الخطاب لم ينهزم و لا فر في أي معركة من المعارك التي خاضها المسلمون، و حتى عندما انهزموا يوم أحد و حُنين، كان عمر من بين الذين ثبتوا مع النبي-عليه الصلاة و السلام- كأبي بكر، و طلحة، و الزبير [5] .

(1) البخاري: الصحيح، ج 8 ص: 19.

(2) صححه الهيثمي: مجمع الزوائد، ج 9 ص: 56. و الألباني: صحيح الترمذي، ج 3 ص: 204. و الصحيحة، ج 13 ص: 38.

(3) الألباني: الصحيحة، ج 3 ص: 13.

(4) البخاري: الصحيح، ج 5 ص: 11. و ابن حبان: الصحيح، ج 15 ص: 304.

(5) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، ج 8 ص: 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت