نناقش متن الرواية الشيعية من جهة أخرى. و أما التي ذكرت أن عليا لم يُبايع إلا بعد ستة أشهر، فهي غير صحيحة، بما ذكرناه و بما سيأتي قريبا. و الصحيح منها إسنادا لا يتناقض مع ما ذكرناه، و سنجمع بينهما لاحقا بعد الانتهاء من نقد متن الرواية الشيعية بحول الله تعالى.
و أما فيما يخص نقد متن شواهد الرواية الشيعة، فهو متن غير صحيح جملة و تفصيلا، بدليل المعطيات و الشواهد الآتية: أولها إنه متن أسانيده غير صحيحة، و هذا ينعكس سلبا عليه، فيُضعفه و يحرمه من السند التاريخي الصحيح.،و هذا يكفي وحده لرفضه لأنه فقد شرطا أساسيا من شروط صحة الخبر.
و الشاهد الثاني هو أن ذلك المتن مردود بمتن الرواية السنية الصحيحة متنا و إسنادا. و ذلك أنه بما أن المتنين متناقضين مضمونا، و الشيعي لم يصح إسنادا، و السني صحّ سندا و مضمونا فهذا يعني أن المتن الشيعي لا يصح، لأنه مردود بالمتن السني.
و الشاهد الثالث هو أن المتن الشيعي صوّر العلاقة بين الصحابة في حادثة السقيفة علاقة سب و شتم، و تناحر و تآمر، و صراع على الدنيا، و تفاخر بالأنساب، و هذا لا يصح في حق الصحابة -رضي الله عنهم- بدليل المعطيات الثلاثة الآتية: أولها هو أن القرآن الكريم قد شهد لهم بالإيمان و الأخوة، و العمل الصالح في حياة نبيهم و بعده، و هذا أمر سبق أن بيناه و وثقناه في الفصل الأول فلا نعيده هنا.
و ثانيها هو أن الرواية السنية الصحيحة لم تذكر ذلك السب و التناحر و ... ،و إنما أوردت خلافه، فذكرت أن عمر بن الخطاب قال: (( يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ) )، و كرر ذلك بقوله: (( نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ) ). و قال زيد بن ثابت: (( إن رسول الله-صلى الله عليه و سلم- كان من المهاجرين و إن الإمام يكون من المهاجرين، و نحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله -صلى الله عليه و سلم- ) ). و قال أبو بكر: (( جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ) ).
و المعطي الثالث-الأخير- هو أن الثابت أن ما حدث بين الصحابة من خلاف حول الخلافة في السقيفة لم يدم طويلا، فسرعان ما تم الاتفاق على بيعة أبي بكر و بايعه الناس البيعة العامة في اليوم الأول أو اليوم الثاني من وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام-،و توحدت كلمتهم و شرعوا في قمع المرتدين، و بداية الفتوحات، و لم يُسجل التاريخ أن الأنصار عادوا مرة أخرى للمطالبة بالخلافة. و هذا كله يعني أنه لو كان ما حدث بينهم في السقيفة كان خلافا عقديا عميقا، و صراعا عنيفا متناقضا، ما تمكنوا من حسم اختلافهم بسرعة، و تكوين دولتهم الفتية التي قامت بتلك الأعمال الجليلة و غيرها.