تلك التساؤلات -و غيرها- سيجيب عنها تحقيقنا الإسنادي و المتني للروايتين السنية و الشيعية. ففيما يخص أسانيد الرواية السنية فإن أولها -من الشاهد الأول-: (( حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: ... ) ). هو إسناد صحيح، لأن رواته كلهم ثقات [1] ، و قد أورده البخاري في صحيحه.
و الإسناد الثاني -من الشاهد الأول- من رواية ابن حِبان، فقال: (( أخبرنا أبو يعلى قال: حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا هشيم قال سمعت الزهري يحدث عن عبيد الله بن عبد الله قال: حدثني ابن عباس قال: ... ) ). و هذا إسناد صحيح رواته ثقات [2] ،و قد صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لأحاديث صحيح ابن حبان [3] .
و الإسناد الثالث-من الشاهد الثاني- من رواية أبي بكر البيهقي: (( حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء و أبو محمد بن أبي حامد المقرئ قراءة عليه قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا جعفر بن محمد بن شاكر، ثنا عفان بن مسلم، ثنا وهيب ثنا داود بن أبي هند، ثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: ... ) ). و هذا إسناد صحيح، لأن رجاله ثقات [4] .
و الإسناد الرابع-من الشاهد الثاني أيضا- من رواية في مسند أحمد مفاده: (( حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: ... ) ). و هذا إسناد صحيح، لأن رجاله مُتضمنون الإسناد السابق، ماعدا أحمد بن حنبل و ابنه عبد الله، و هما ثقتان معروفان.
و قد علق الحافظ ابن كثير على الإسنادين السابقين و حديثهما بقوله: (( وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ) ).و ذكر أن الفقيه المحدث محمد بن إسحاق بن خزيمة قال:(( جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه وهذا حديث يسوى بدنة بل يسوى بدرة [5] [6] .
و الإسناد الخامس من الشاهد الثالث من رواية البخاري: (( حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك ... ) ). و هذا إسناد صحيح، لأن رجاله كلهم ثقات [7] ،و قد أورده البخاري في صحيحه. و صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لأحاديث صحيح ابن حبان [8] .
و أما الإسناد الأخير- الخامس من الشاهد الرابع- فهو من رواية الحاكم: (( حدثنا محمد بن صالح بن هانئ، ثنا الفضل بن محمد البيهقي، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، ثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن سعد بن إبراهيم قال: حدثني إبراهيم بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر بن ... ) ). و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات [9] ،و قد صححه الحاكم، و الذهبي، و ابن كثير [10] .
و بذلك يتبين أن شواهد الرواية السنية أسانيدها كلها صحيحة؛ فكيف هو حال أسانيد شواهد الرواية الشيعية؟.
أولها إسناد رواية الطبرسي المطولة: (( عن أبى المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجال ثقة، قال: ... ) ).و هذا إسناد لا يصح لأنه منقطع و لا نعرف من رواته إلا راويا واحدا، و قوله: (عن رجال ثقات) ، غير مقبول لأنه إذا كان هو يعرفهم فنحن لا نعرفهم، و كان يجب عليه ذكرهم، لأنه من حقنا عليه معرفتهم. و نحن لا نقبل رواية عن مجهولين، كما أن الراوي الذي ذكره هو أيضا ضعيف، فقد كذبه أهل الحديث، و مزقوا حديثه و أبطلوه، لما بان لهم كذبه و وضعه للحديث [11] . و حتى الشيعة طعنوا فيه، فكان جلهم يغمزونه و يُضعفونه [12] .
و الإسناد الثاني من رواية الطبرسي أيضا، مفاده: (( عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق: ... ) ). و هذا إسناد لا يصح، لأنه منقطع بين الطبرسي و الراوي أبان بن تغلب، و بين جعفر الصادق و الصحابة، فلا يُمكنه التحديث عنهم دون واسطة من رواة آخرين. و أبان بن تغلب ضعيف من جهة عدالته، لأنه كان غاليا في تشيعه، و يبدو أنه كان يُمارس التقية في تعامله مع أهل الحديث، لذا اختلفت آراؤهم فيه [13] ،و هو من ثقات رجال الشيعة الإمامية [14] .
(1) عنهم أنظر: ابن حجر: تقريب التهذيب، ج 1 ص: 56، 605، ج 2 ص: 133. و تهذيب التهذيب، ج 4 ص: 275، ج 7 ص: 17.
(2) عنهم أنظر: ابن حجر: تهذيب التهذيب، ج 3 ص: 295، ج 11 ص: 40. و ابن حبان: القات، ج 5 ص: 26. و الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 2 ص: 199.
(3) ج 2 ص: 145.
(4) عنهم أنظر: ابن حجر: تقريب التهذيب ـ ج 163، 213، 283، 679. و تهذيب التهذيب، ج 1 ص: 116. و الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 25 ص: 363. و تذكرة الحفظ، ج 3 ص: 164.
(5) يطلق لفظ البدنة على الناقة، و البقرة، و البعير الذكر. و البدرة كيس نقود فيه عشر آلاف درهم أو ألف: ابن منظور: لسان العرب، ج 13 ص: 47.
(6) ابن كثير: البداية و النهاية، ج 4 ص: 48، ج 5 ص: 270.
(7) عنهم أنظر: ابن حجر: تقريب، ج 2 ص: 26، 202. و تهذيب التهذيب، ج 10 ص: 38، ج 12 ص: 111.
(8) ج 15 ص: 296.
(9) عنهم أنظر: ابن الجوزي: المنتظم، ج 6 ص: 370. و ابن حجر: تقريب التهذيب، ج 1 ص: 342، ج 2 ص: 226. و تهذيب الكمال، ج 2 ص: 207، ج 26 ص: 300. و الذهبي: من تُكلم فيه و موثق أو صالح الحديث، ص: 319 - 320. و أحمد العجلي: الثقات، ج 1 ص: 202. و أما بالنسبة للفضل بن محمد بن المسيب، فقد اتهم بالتشيع، لكنه وُثق. أنظر: ابن الجوزي: المتنظم، ج 5 ص: 156. و الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 21 ص: 240. و لم يكن تشيعه تشيعا مذهبيا رافضيا، و لم يترجم له الشيعة من بين رجالهم. و الحديث الذي رواه مخالف للتشيع المذهبي الإمامي كلية.
(10) الحاكم: المستدرك، ج 4 ص: 135 و ما بعدها. و ابن كثير: البداية، مج 5 ص: 270. و أما الذهبي فحكمه موجود في تعليقه على المستدرك.
(11) الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، حققه مصطفى عبد القادر عطا،، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 3 ص: 85.
(12) محمد المهدي الطبطبائي: الفوائد الرجالية، ط1، مكتبة الصادق، طهران، 1363، ج 3 ص: 172، 173.
(13) المزي: تهذيب الكمال، ج 2 ص: 7 و ما بعدها.
(14) ابن داود الحلي: رجال ابن داود الحلي، ج 1 ص: 27.