فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 181

جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يُؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم"قال: فأحجم القوم عنها جميعا، وقلت-أي علي-: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع" [1] .

و الإسناد الثاني مفاده: حدثني زكريا بن يحيى الضرير قال: حدثنا عفان بن مسلم قال: حدثنا أبو عوانة، عن عثمان ابن المغيرة، عن أبى صادق، عن ربيعة بن ناجد أن رجلا قال لعلى: يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك؟. فقال على: ... جمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ... بني عبد المطلب ... فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا ... ثم قال: يا بني عبد المطلب إني بعثت إليكم بخاصة وإلى الناس بعامة، و قد رأيتم من هذا الأمر ما قد رأيتم فأيكم يبايعني على أن يكون أخي و صاحبي و وارثي. فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه وكنت أصغر القوم، ... فقال اجلس ... قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي أجلس حتى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي. قال: فبذلك ورثت ابن عمى دون عمى )) [2] .

فواضح مما ذكرناه أن الروايتين السنية و الشيعية متناقضتان في موقفيهما من وجود الوصية بالإمامة لعلي و بنيه في القرآن الكريم. الأولى تنفي وجودها و تنكرها، و الثانية تثبتها و تؤمن بها. فأين الحقيقة؟، و أي الروايتين صحيح؟.

سيتضح ذلك جليا من تحقيقنا لتلك الروايات إسنادا و متنا. فأما إسنادا فإن الرواية السنية اعتمدت على سندين صحيحين: الأول هو السند القرآني القطعي الثبوت، و هو سند يقيني صحيح بالضرورة الشرعية و التاريخية. و الثاني هو السند التاريخي الذي روى لنا اختلاف الصحابة حول من يتولى منهم الخلافة بعد وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام- و هذا خبر متواتر يقيني أيضا، لا شك في حدوثه. و بذلك يكون إسناد الرواية السنية فيما قالت به إسنادا قطعيا متواترا.

و أما الرواية الشيعية فهي لم تعتمد على السند اليقيني القرآني، و لا على السند التاريخي المتواتر الذي لا يحتاج على إسناده. و إنما اعتمدت على الروايات الآحادية الظنية التي تحتمل الصدق و الكذب، و الخطأ و الصواب، و لا بد من تحقيق أسانيدها لمعرفة حقيقتها.

و أما إذا قيل: إن الرواية الشيعية هي أيضا اعتمدت على القرآن كالرواية السنية سواء. فالأمر ليس كذلك لأنها في استشهادها بالآيات التي زعمت أنها حُرفت، لم تستشهد بالقرآن الحقيقي اليقيني الموجود بين أيدينا و إنما استشهدت بروايات تاريخية ظنية تتكلم عن مصحفها المزعوم الموهوم. و هذا ليس يقينا و لا متواترا، و لا صحيحا، و قد سبق أن أبطلنا زعمها هذا في الفصل الأول.

و في استشهادها بتفسير بعض الآيات بأقوال أئمتها، و بأسباب النزول، فإن ذلك ليس قرآنا، و إنما هو روايات تاريخية آحادية ظنية تحمل تفسيرات احتمالية ظنية أيضا، لا بد من تحقيقا لمعرفة صحيحها من سقيمها. و هذا الذي سيتبين لنا فيما يأتي:

فبالنسبة لإسناد الرواية الأولى، و قد ذكره محمد العياشي في تفسيره، بقوله: (( عن ميسر عن أبى جعفر قال: ... ) ). فهو إسناد لا يصح، لأنه مُنقطع بين المؤلف محمد العياشي المتوفى في القرن الرابع الهجري، و بين ميسر بن عبد العزيز المُتوفى في النصف الأول من القرن الثاني الهجري [3] . و مُنقطع أيضا من جهة جعفر الصادق و الحادثة التي تحدث عنها، فهو لم يكن شاهد عيان لها، ومن ثم لا يُمكنه التحدث عنها دون واسطة من رواة آخرين.

و الإسناد الثاني من رواية الكليني، عن: (( الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله -جعفر الصادق- أنه قال: ) ). و هذا إسناد لا يصح، لضعف معظم رجاله، فمعلى بن محمد مضطرب الحديث، و علي بن أبي حمزة البطائني ضعيف جدا متروك الرواية، و مُتهم بالكذب، و أبو بصير- يحيى بن أبي القاسم- كان مُخلطا [4] .

و إسناد الرواية الثالثة رواها الكليني بإسناده، عن: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس وعلي بن محمد، عن سهل ابن زياد أبي سعيد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله -جعفر الصادق- ... )) . و هذا إسناد لا يصح، لضعف أبي بصير [5] ، و انقطاعه بين أبي عبد الله جعفر الصادق و مصدر الخبر، فهو ليس صحابيا لكي يروي سبب نزول الآية، و لا ذكر لنا عمن أخذه، فهو ليس شاهد عيان و لا يُمكنه روايتها.

و الإسناد الرابع من رواية الكليني، عن:"محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن النضر بن شعيب، عن خالد بن ماد، عن محمد بن الفضل، عن الثمالي، عن أبي جعفر-الباقر- قال:". و هذا إسناد لا يصح لأن أبا حمزة الثمالثي ضعيف متروك ليس بثقة [6] ، و لأنه منقطع بين الباقر و النبي -عليه الصلاة و السلام -، فلا يُمكنه التحديث عنه مباشرة.

و أما الرواية الأخيرة- الخامسة- فلها ثلاثة أسانيد، أولها رواه الأسترابادي النجفي بإسناده: (( (( قال محمد بن العباس: حدثنا عبد الله بن زيدان بن يزيد

(1) الطبري: تاريخ الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1 ص: 542 - 543.

(2) نفسه، ج 1 ص: 543.

(3) لأنه روى عن أبي جعفر الباقر، و هو و ابنه جعفر الصادق توفيا في النصف الأول من القرن الثاني الهجري.

(4) عن هؤلاء أنظر: ابن المطهر الحلي: خلاصة الأقوال، ج 1 ص: 296 ج 2 ص: 167. و ابن داود الحلي: رجال ابن داود، ج 1 ص: 335، 405.

(5) سبق توثيق ذلك مرارا.

(6) سبق توثيق ذلك في هذا الفصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت