وهذا ظاهِر لا يحتاجُ إلى مزيدِ استِدلالِ، فالمعنى: أتِموا اللحية وَلا تُنقِصوها، وإتمامُها بتَرْكِ إنْقاصِها بقَص أوحَلْقٍ .
وفي إحْدى رواياتِ حَديثِ عبد الله بنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - قالَ: ذُكِرَ لرَسُولِ اللّهَ - صلى الله عليه وسلم - المجوسُ، فقالَ:"إنهُم يُوفونَ سِبالَهُم، وَيحْلِقونَ لِحاهُم، فخالِفوهُم". فجَعَلَ الحَلْقَ مُقابِلَا للإيفاءِ، فمَن حَلَقَ لحيتَهُ فَما أوفاها، وَمَن قَصَرَ لحْيَتَهُ بقَصها فَما أوفاها.
قالَ النوويُ:"أوفوا: اتركوها وافِيَة كامِلَةَ لا تقصوها".
3)أَعفوا:
أصلُ هذه الصيغَةِ مِن (عفو) ، وقد ذكَرَ مُحققو أهل العربية في شرحِها في اللسانِ كلاما مُسْتوفِيا، حاصِلُهُ:
أن هذا الجَذْرَ (عفو) يدل على أصلينِ: أحدُهما: تَركُ الشيءِ. والثاني: طَلَبُ الشيئءِ.
فمِن صُوَرِ الأول: عَفوُ اللهَ تعالى عن خَلقِهِ، بتركِهِ إياهُم فلا يُعاقِبُهُم.
ومنهُ: قولُهُم: عَفا ظَهرُ البَعيرِ ، وذلكَ إذا تُرِكَ لا يُركَبُ.
ومنهُ: تسميةُ المكانِ الذي لم يوطَأْ: العَفوَ، لأنه متروكٌ .
ومنهُ: يُقالُ للشَّيءِ (عَفا) أي دَرَسَ، لأنه يُترَكُ فَلا يُتَعَهدُ ولا يُنْزَلُ.
ومنهُ: (عَفوُ المالِ) وهُوَ فَضلَتُهُ، سُفيَ عَفْوا لأنه يُترَكُ لا يُمس لعَدَمِ الحاجَةِ إليهِ.
ومنهُ: قولهُ تعالى: {وَيسئلونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلعَفْو} البقرة: 219 .
ومنهُ: يُقالُ في الشَعْرِ: (عَفَوْتُهُ وَعَفَيْتهُ، فهُوَ عافي) ، وذلكَ إذا تركتَهُ حتَى يكثُرَ ويطولَ.
ومنهُ: قوْلُهُ تعالى: {حتى عفوا} الأعراف: 95، أي نَمَوا وكَثُروا، وإنما ذلكَ لأنهُم تُرِكُوا يَتمونَ حتى كثُروا.
ومِنَ المعنى الثاني: ومنه قولهُ: - صلى الله عليه وسلم -:"مَن أَحيا أرضا مَيتَةَ فَهِيَ لَهُ، وما أَكَلَتِ العافيةُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةْ".