وقولهُ - صلى الله عليه وسلم - للجِنّ حينَ سألوهُ الزادَ:"لَكُم كُل عَظم ذكرَ اسم الله عَلَيهِ يَقَعُ في أيديكُم أوفَرَ ما يكونُ لَحمًا".
فهذا في الدلالةِ على الكَثرَةِ، ومنهُ: (وَفرَةُ المالِ) و (مال وَفير) .
إذا فقولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في اللحيَةِ: (وَفروا) بمعنى: كَثروا وأَتِموا. يَزيدُهُ بيانا ما جاءَ في لفظ حديثِ أبي أُمامَةَ الباهِلي - رضي الله عنه -: قالَ: فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللّهِ، إِن أهل الكِتابِ يَقُصُّونَ عَثانِينَهم، وَيُوَفرونَ سِبالَهُمْ؟ قالَ: فَقالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -:"قصوا سِبالَكُنم، وَوَفروا عَثانينَكُنم، وَخالِفُوا أَهْلَ الكِتابِ".
فكانَ التوفيرُ بلِسانِهم ولِسانِ رَسُولِ اللّهَ - صلى الله عليه وسلم - يُقابِلُ القَصَّ وُينافِيهِ، وهُوَ ظاهِرْ أن مَن قَصَّ فَإتَه لم يُوَفر، والوجه فيهِ أن التَّوفيرَ إتْمام وتكثيرٌ ، والقَص إنقاصٌ وتَقليل.
ولهذا المعنى الذي شَرَحتُ وجههُ وبينتُ شَواهِدَهُ صارَ الحافِظُ ابنُ حَجَر إلى لَفْظٍ يجمع هذينِ المعنيينِ: الإتْمامَ والتكثيرَ، فقالَ:"وَفروا: مِنَ التوفيرِ وهُوَ الإبقاءُ، أي: اترُكوها وافِرَةَ".
فحاصِلُ المعنى في قولهِ - صلى الله عليه وسلم -"وَفروا": كَثروا فلا تُقِلُوا، وأتمُوا فَلا تُنْقِصُوا.
2)أَوْفوا:
مِنَ الإيفاءِ، وهُوَ الإتمامُ، قالَ تعال: {أَؤفُوا اَلكَيل} أي أتِمُوهُ، ولِذا جعَلَ مُقابِلَهُ النقصانَ، فقالَ: {أَوفُوا اَلكَيِلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ اَلُمخْسِرينَ} الشعراء: 181،، وهذا في ذكرِ خَبَرٍ شُعَيبِ عليهِ السلام وقوْمِهِ، وهُوَ ذاتُهُ قول شُعَيب فيما ذكرَهُ اللّهُ تعالى عنهُ في موضِع آخَرَ: {وَلَا تنَقُصُوا اَلمكِيَالَ وَالمِيزَانَ} هود: 84.
ومنه: إيفاء العُهُودِ والعُقودِ، فإنما ذلكَ بإتمامِها على الصِّفةِ الَّتي وَقَع عليها العَقدُ والعَهد، ونَقصُها نَقضُها.