تقدم معنا تخريج هذه التلاعبات على مسألة تلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي، والنجش، لما في هذه البيوع من إلحاق الضرر بالناس وخداعهم.
وسأذكر هنا خلاف الفقهاء في أثر النجش على عقد البيع، وذلك لأن النجش من أقرب الصور إلى التلاعبات السوقية لما فيه من زيادة السعر وإغراء المشتري بالشراء بسبب المزايدة والتنافس المصطنع على السلعة وهذا هو ما يقع في المخادعات التي تقع في أسواق المال.
قال الإمام الترمذي -رحمه الله-:"النجش أن يأتي الرجل الذي يفصل السلعة إلى صاحب السلعة فيستام بأكثر مما تسوى وذلك عندما يحضره المشتري يريد أن يغتر المشتري به وليس من رأيه الشراء، إنما يريد أن يخدع المشتري بما يستام، وهذا ضرب من الخديعة" [1] .
وكأن الإمام الترمذي -رحمه الله- يصف ما يقع في أسواق المال.
وقد اختلف الفقهاء في حكم العقد مع وجود النجش على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن بيع النجش صحيح ويثبت الخيار للمشتري في الإمضاء أو الفسخ وهو مذهب المالكية [2] ، وقول الشافعية [3] ، والحنابلة [4] ، واختاره ابن حزم [5] ، وابن تيمية [6] .
الأدلة:
1 -أن النهي عاد إلى الناجش لا إلى العاقد فلم يؤثر في البيع.
2 -أن الشارع لم ينه عن بيع النجش -ونحوه من البيوع- لحق مختص بالله كما نهى عن الفواحش، بل نهى عنها لحق الأدمي المظلوم فالحق له إن شاء أجازها وإن شاء أبطلها [7] .
3 -القياس على تلقي الركبان حيث جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم له الخيار إذا أتى السوق، وفي هذا تصحيح للعقد وإثبات للخيار.
القول الثاني:
أن البيع باطل وهو رواية عن أحمد اختارها أبو بكر وقول طائفة من أهل الحديث [8] .
(1) ذكره بعد الحديث 1304.
(2) التاج والإكليل 4/ 377، مواهب الجليل 4/ 378.
(3) المهذب 1/ 291 إن كان بمواطأة من البائع.
(4) الشرح الكبير مع الإنصاف 11/ 340، قيده الحنابلة بأن يكون الغبن مما لم تجر العادة بمثله و إلا فلا خيار له.
(5) المحلى 8/ 448.
(6) مجموع الفتاوى 29/ 283.
(7) مجموع الفتاوى 29/ 283.
(8) فتح الباري 4/ 355.