إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة، ومنه سمي الناجش في البيع ناجشًا، ويسمى الصائد في اللغة ناجشًا، لأنه يثير الصيد بحيلته عليه، وخداعه له، وحينئذ، فيكون المعنى: لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم بعضا بالمكر والاحتيال. وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم: إما بطريق الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر إليه، ودخوله عليه، وقد قال الله -عز وجل-: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) [فاطر: 43] . وفي حديث ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار" [1] . وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي بكر الصديق المرفوع:"ملعون من ضار مسلمًا أو مكر به"أخرجه الترمذي [2] .
فيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهي عنه جميع أنواع المعاملات بالغش ونحوه، كتدليس العيوب، وكتمانها، وغش المبيع الجيد بالرديء، وغبن المسترسل الذي لا يعرف المماكسة، وقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم، وما أحسن قول أبي العتاهية:
ليس دنيا إلا بدين وليـ ... ـس الدين إلا مكارم الأخلاق
إنما المكر والخديعة في النا ... ر هما من خصال أهل النفاق
وإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه، وهم الكفار المحاربون، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الحرب خدعة) [3] " [4] ."
وسيأتي في آخر المبحث بيان العلاقة بين النجش والتلاعبات السوقية.
هو أن يتولى الحاضر البيع للبادي، فيقول: لا تبع سلعتك بنفسك، أنا أعلم بذلك منك، فأبيعها لك في السوق، أي يكون وكيل له في بيع سلعته [5] .
الأحاديث الدالة على النهي عنه:
1 -عن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتلقَّى الرُّكبان، وأن يبيع حاضر لباد، قال قُلْتُ لابن عباس: ما قولُهُ حاضر لبادٍ قال: لا يكون له سمسارا [6] ..
2 -عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُتلقى الركبان أو يبيع حاضر لباد ولا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس ولا بعد الصبح حتى ترتفع الشمس أو تُضْحِىَ [7] .
(1) أخرجه: ابن حبان (567) و (5559) ، والطبراني في"الكبير (10234) وفي"الصغير"له (725) ، وأبو نعيم في"حلية الأولياء"4/ 189، والقضاعي في"مسند الشهاب" (253) و (254) و (354) ، وتقدم كلام الحافظ في فتح الباري عن الحديث."
(2) برقم (1941) .
(3) أخرجه البخاري برقم (3029) ، ومسلم برقم (1739) وبرقم (1740) (18) ، وأحمد 3/ 308 وأبو داود برقم (2636) ، والترمذي برقم (1675) .
(4) جامع العلوم والحكم 2/ 264.
(5) تكملة فتح الملهم 1/ 218.
(6) أخرجه البخاري برقم (2050) ، ومسلم برقم (1521) .
(7) أخرجه الطيالسي برقم (1930) ، والطبراني 12/ 336 برقم (13280) .