فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 47

وقال شيخ الإسلام معلقًا على مسألة الغبن للمسترسل ثم مسألة تلقي السلع قال -رحمه الله-:"وثبوت الخيار بالغبن للمسترسل، وهو الذي لا يماكس، هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فليس لأهل السوق أن يبيعوا المماكس بسعر، ويبيعوا المسترسل الذي لا يماكس أو من هو جاهل بالسعر بأكثر من ذلك السعر، هذا مما ينكر على الباعة، وجاء في الحديث: غبن المسترسل ربا، وهو بمنزلة تلقي السلع، فإن القادم جاهل بالسعر، ولذلك نهى النبي أن يبيع حاضر لباد وقال: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، وقيل لابن عباس: ما قوله لا يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسار، وهذا نهي عنه لما فيه من ضرر المشترين، فإن المقيم إذا توكل للقادم في بيع سلعة يحتاج الناس إليها والقادم لا يعرف السعر ضر ذلك المشترى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" [1] .

وجه الاستدلال بالنصوص السابقة على تحريم التلاعبات السوقية وإفشاء المعلومات السرية (الداخلية) :

إن مجموع ما سبق من النصوص يدل دلالة ظاهرة جدًا على تحريم ضرر الغير وخداعهم، والتوصل إلى أكل أموالهم بالحيل والتلاعب.

ولا تخرج تلك الممارسات عن كونها مكرًا وخديعة وإضرارًا بالآخرين، والشارع نهى عن النجش وغيره من البيوع المحرمة لهذا المعنى.

وإذا كان النجش يقول عنه الصحابي الجليل عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-:"الناجِش آكل ربا خائِنٌ، وهو خِداعٌ باطل لا يحلُّ" [2] .

فالتلاعبات السوقية التي نراها في أسواق الأسهم لاشك أنها أحق بهذا الوصف وهي أجدر بالتحريم.

لاسيما على المعنى العام للنجش وهو أن المراد:"لا تتخادعوا، ولا يعامل بعضكم بعضًا بالمكر والاحتيال. وإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصال الأذى إلى المسلم: إما بطريق الأصالة، وإما اجتلاب نفعه بذلك، ويلزم منه وصول الضرر إليه، ودخوله عليه كما تقدم عن الحافظ ابن رجب -رحمه الله-."

وما أجمل قول شيخ الإسلام، وهو في سياق الكلام عن الطائفة التي تشتري نوعًا من السلع أو تبيعها، وقد تواطأت على أن يهضموا ما يشترونه، فيشترونه بدون ثمن المثل المعروف ويزيدون ما يبيعونه بأكثر من الثمن المعروف قال:"كان هذا أعظم عدوانًا من تلقي السلع، ومن بيع الحاضر للبادي، ومن النجش" [3] .

وأقول إن التلاعبات السوقية أعظم عدوانًا وإجرامًا في حق الناس من تلك المعاملات التي أشار إليها شيخ الإسلام، فهي أولى بالنهي والتحريم الله أعلم.

(1) مجموع الفتاوى 28/ 75.

(2) تقدم تخريجه.

(3) مجموع الفتاوى 28/ 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت