وذهب بعض الأئمة إلى جواز العمل بالمجمل وإن قبل بيانه واستدلوا بأدلة، وإلى هذا ذهب السمعاني في قواطع الأدلة في الأصول [1] .
قال- رحمه الله-:"فإن قال قائل ما حكم المجمل قبل ورود البيان؟"
قلنا إن التزام المجمل قبل بيانه واجب، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله الله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن في أموالهم حقا يؤخذ من أغنيائهم ويرد على فقرائهم.""
"فقد أوجب عليهم إلتزامها قبل بيانها، واختلف أصحابنا في كيفية التزامها قبل بيانها" [2] .
وممن أجاز الخطاب بالمجمل قبل البيان الغزالي والماوردي والروياني يقول الشوكاني فيما نقله عنهم في الإرشاد:
"يجوز التعبد بالخطاب المجمل قبل البيان لأنه صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن (الحديث السابق) وتعبدهم بالتزام الزكاة قبل بيانها، قال:"
وإنما جاز الخطاب بالمجمل وإن كانوا لا يفهمونه لأحد أمرين:
الأول: أن يكون إجماله توطئة للنفس على قبول ما يعقبه من البيان، فإنه لو بدأ في تكليف الصلاة بها لجاز أن تنفر النفوس منها ولا تنفر من إجمالها.
والثاني: أن الله تعالى جعل من الأحكام: جليًا وجعل منها خفيًا، يتفاضل الناس في العمل بها ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرا جليا وجعل منها مجملا خفيا" [3] "
ويقرر هذا المعنى الغزالي بقوله: يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائدة ما، لأن قول الله تعالى:"وءاتوا حقه يوم حصاده"يعرف منه وجوب الإيتاء، وأنه حق في المال، فيمكن العزم فيه على الامتثال والاستعداد له، ولو عزم على تركه عصى، وكذلك مطلق الأمر إذا ورد، ولم يتبين أنه الإيجاب أو الندب أو أنه على الفور أو التراخي أو أنه للمرة أو للتكرار أفاد على علم الاعتقاد الأصل ومعرفة التردد بين الجهتين، وكذلك قوله تعالى:"أو"
(1) -أصول الفقه (ص 132) ط، دار الفكر العربي.
(2) - (2/ 70) مكتبة التوبة، ط 1 - 1998 م - ت د الحكمي في 5 أجزاء، الطبعة دار الكتب العلمية (1/ 264) 1419 هـ (2/أجزاء) ، ط 1418 - 1999 م).
(3) -إرشاد الفحول، 168.