وجدوه في كلمات تفيض رقّة وعذوبة ورواءً، وهو ما عبرّ عنه الوليد بن المغيرة تعبيرًا رائعًا رائقًا، ينمّ عن مدى ارتعاش واهتزاز نفسه الجافّة الجافية عند تلقيها لقطرات عذوبة كلمات القرآن
ولعمري إن هذا الوجه لهو عين البلاغة والفصاحة.
2 -وكما قال ابن مالك في ألفيته، يتألف الكلام عند العرب من ثلاثة أصناف، اسم وفعل وحرف، وكل كلام يصوغه إنسان مالا يسلم من منزلق الزيادة أو النقصان، وقابلية كلماته لآن تُسْتَبدل بأخرى تكون أجمل وأوفى. أما القرآن الكريم فقد بلغت ذروة الإتقان، فكانت كل كلمة عاشقةً لمكانها، فليس لأي كلمة سواها أن تكون أكثر استحقاقًا لذلك المكان من كلمة القرآن. وبيان هذا المبحث يستدعي النظر في كل ما ورد في (الفاتحة) من كلمات، وهو أمر يطول ولذلك رأيتُ أن أكتفي ببعض الكلمات
* (الحمد)
الحمد والشكر أخوان، ومع ذلك فإن كلمة الشكر لا تصلح أن تكون بديلًا لكلمة الحمد، لأن الحمد يكون عن يد وعن غير يد، أما الشكر فلا يكون إلا عن يد، ولذلك كان الحمد أعم من الشكر.
وبما أن الفاتحة أم الكتاب، فإن ذلك يستدعي اختيار الكلمات ذات الدلالات الواسعة، ومن ذلك كلمة الحمد لدلالاتها على كل وجوه النعمة والفضل من الله تعالى.
* (لله)
تَقْدِيمُ الجار والمجرور على المبتدأ يفيد اختصاص المبتدأ بمضمون الخبر، فلو قيل: لله الحمْدُ، لكان ذلك داَّلًا على اقتصار الحمد على الله تعالى. ولكنّ واقع الحال يشيرُ إلى تَوَجُّه الإنسان بالحمد إلى غير الله أحْيانًا وأحيانًا. ولذلك عَدَل جلّ شأنه عن تقديم الجار والمجرور إلى تأخيره، لترجمة واقع حال الإنسان.