ووفق ما يستدعيه سياق (الذين أنعمت عليهم) ندرك أنَّ اختيار اللسان العربي كان مفردة من مفردات ذلك الإنعام، لأن اللغة العربية ذات بناء يحتمل دلالات عديدة، تنبني عليها أحكام فقهيّةٍ متفاوتة، يتحقّق معها مبدأ السَّعة ورفع الحرج في الامتثال لأمر الله تعالى ونهيه.
* ثم قال جل شأنه (ذلك الكتاب) مستخدمًا اسم الإشارة (ذلك) للإشارة إلى معلوم:
الأول: قول المسلمين (اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالّين) وتوجُّه دلالته إلى طلب كتابٍ هو أجّل وأسمى من كتابي اليهود والنصارى فأشار عزّ وجل بقوله (ذلك) إلى أن ... ما طلبوه هو هذا الكتاب المعروف باسم القرآن الكريم.
الثاني: توجُّه دلالة اسم الإشارة إلى قوله تعالى (آلم) من باب أن هذه الأحرف وما كان من جنسها من الحرف العربي هي لِبنات بناء الصراط المستقيم
والوجهان مقصودان، لموافقة كل منهما لمسارٍ من مسارات البيان، وذلك البيان الذي لا نجد مثيلًا في أي لغةٍ من لغاتِ الإنسان سوى اللغة العربية.
* ثم قوله جل شأنه (هدى للمُتَّقين) فيه مُوَافقةٌ لمضْمُون الدعاء في ... (اهدنا الصراط ... ) فهم سألوا ربَّهم إن يهديَهم بكتابٍ من عنده، فحقق لهم هذه الهداية بما يُشير إليه اسُم الإشارة (ذلك) وهو القرآن العظيم.
* وما دمنا بصدد تفسير بداية سورة (البقرة) فإنه لا يجمل بنا أن نترك قوله تعالى (لا ريب فيه) بدون موقعه من الآية.
فالريب هو الشك، فكان من كمال نعمة الصراط المستقيم أنه كتاب ... ژ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ژ فصلت: 42