الصفحة 94 من 102

خرج في طليعة من جنده، فافتتح سبعين حصنًا في غزوة واحدة، ثم أمعن في قلب فرنسا، وتغلغل في أحشاء سويسرا، وضم أطرافًا من إيطاليا، حتى ريَّض كل أولئك له.

وبعد أن كانت قرطبة دار إمارة يذكر فيها الخليفة العباسي على منابرها، وتمضي باسمه أحكامها أصبحت مقر خلافته، يحتكم إليها عواهل أوربا، وملوكها، ويختلف إلى معاهدها علماء الأمم وفلاسفتها.

قال أبو جعفر المنصور لأصحابه يومًا: أخبروني عن صقر قريش، فذكروا له طائفة من الخلفاء، وهو يقول: (لا) فقالوا: من يا أمير المؤمنين? فقال: صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدًا أعجميًا مفردًا، فمصرَّ الأمصار، وجنَّد الأجناد، ودوَّن الدواوين، وأقام مُلْكًا بعد انقطاعه; لحسن تدبيره، وشدة شكيمته [1] .

هذه بعض الأسباب المعينة على علاج العشق، الواقية _بإذن الله_ لمن لم يقع فيه.

فحري بمن أخذ بها أن يُعان، ويوفَّق; فإن جاهد، وصابر، ثم بقي بعد ذلك في قلبه ما بقي فإنه لا يلام عليه.

يقول الجنيد×: =الإنسان لا يعاب بما في طبعه، إنما يعاب إذا فعل بما في طبعه [2] .

وقال ابن حزم×: =لا عيب على من مال بطبعه إلى بعض القبائح ولو أنه أشد العيوب وأعظم الرذائل، ما لم يظهره بقول أو فعل.

بل يكاد يكون أحمدَ ممن أعانه طبعه على الفضائل.

ولا تكون مغالبة الطبع الفاسد إلا عن قوة عقل فاضل+ [3] .

(1) انظر: رسائل الإصلاح 1/ 69.

(2) ذم الهوى ص 497.

(3) الأخلاق والسير لابن حزم ص 78_79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت