فسكنت إلى ذلك المحبوب الخسيس الذي ألَمُها به أضعاف لذتها، ونيلُه والوصول إليه أكبر أسباب مضرتها; فما أوْشَكَهُ حبيبًا يستحيل عدوًا عن قريب، ويتبرأ منه مُحِبُّه لو أمكنه حتى كأن لم يكن له حبيب، وإن تمتع به في هذه الدار فسوف يجد به أعظم الألم بعد حين لا سيما إذا صار [الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ] إلى أن قال×: =فيا حسرة المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمن بخس، وشهوة ذهبت لذتها، وبقيت تبعتها، وانقضت منفعتها، وبقيت مضرتها; فذهبت الشهوة، وبقيت الشقوة، وزالت النشوة، وبقيت الحسرة; فوارحمتاه لصبٍّ جُمع له بين الحسرتين: حسرة فوت المحبوب الأعلى والنعيم المقيم، وحسرة ما يقاسيه من النصب في العذاب الأليم.
فهناك يعلم المخدوع أي بضاعة أضاع، وأن مَنْ كان يملك رقه وقلبه لم يكن يصلح أن يكون له من جملة الخدم والأتباع; فأي مصيبة أعظم من مصيبة مَلِكٍ أُنزل عن سرير ملكه،