والدليلان المتعارضان كلاهما ظاهر، فلا يجوز الحُكْم بواحد منهما دون الآخَر، ولِذَا كان العمل بالدليل المرجوح جائزًا.
الجواب عن هذا الوجه مِن المناقشة:
وقد رُدّ هذا الوجه مِن المناقشة بوجْهيْن:
الأول: أنّ الأمر بالاعتبار في الآية الكريمة لا ينافي القول بوجوب العمل بالترجيح، وإنما غايته الأمر بالنظر والاعتبار؛ فإنّ إيجاب أحد الأمْريْن لا ينافي إيجاب غَيْره.
الثاني: أنّا لا نسلِّم أنّ المرجوح ظاهر حتى نحكم به كما الراجح؛ لأنّ الظاهر هو ما ترجَّح أحد طرفيْه على الآخَر، وفي تعارُض الدليليْن نرى أنّ المرجوح مخالِف لِلراجح وغَيْر مساوٍ له في القوة، وإذا كان كذلك فلا يكون المرجوح ظاهرًا فيه.
الوجه الثاني: أنّ الترجيح غَيْر معتبَر في البينات؛ فلا تقدَّم شهادة الأربعة على شهادة الاثنين، والأمارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات المتعارضة، فلا يجوز الترجيح بَيْنَهَا كالبينات.
(1) قال الحافظ ابن حجر:"هذا الحديث اسْتَنْكَره المزني فيما حكاه ابن كثير عنه في أدلة التنبيه، وقال النسائي في سننه:"باب الحُكْم بالظاهر"ثُمّ أَوْرَد حديث أمّ سلمة الذي قَبْلَه، وقد ثبت في تخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي سبب وقوع الوهم من الفقهاء في جعلهم هذا حديثًا مرفوعًا وأنّ الشافعي قال في كلام له:"وقد أمر الله نبيَّه أنْ يحكم بالظاهر والله متولي السرائر"، وكذا قال ابن عبد البَرّ في"التمهيد":"أجمعوا أنّ أحكام الدنيا على الظاهر، وأنّ أمر السرائر إلى الله"، وأغرب إسماعيل ابن عليّ بن إبراهيم بن أبي القاسم الجنزوي في كتابه"إدارة الأحكام"فقال:"إنّ هذا الحديث ورد في قصّة سنان والحضرمي اللذيْن اختصما في الأرض، فقال المقضيّ عليه:"قَضَيْتَ عَلَيَّ وَالْحَقُّ لِي"فقال - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّمَا أَقْضِي بِالظَّاهِرِ، وَاللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِر} ، وفي الباب حديث عمر:"إِنَّمَا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَاخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُم"أخرجه البخاري، وحديث أبي سعيد رفعه {إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاس} ، وهو في الصحيح في قصة الذهب الذي بعث به عَلِيّ، وحديث أُمّ سلمة الذي قَبْله، وحديث ابن عباس الذي بَعْده".. تلخيص الحبير 4/ 191"
الجواب عن هذا الوجه مِن المناقشة: