إنَّ القرآنَ اسمٌ لكلامِ اللهِ تعالى، وهو صفةٌ قائمةٌ بذاتِهِ منافيةٌ للسُّكوتِ والآفة، وليس هو من جنسِ الحروفِ والأصوات، ولا من قبيلِ الألفاظِ واللُّغات؛ فإنَّ اللُّغات كلُّها مخلوقة، وصفةُ اللهِ تعالى التي هي القرآن حقيقةٌ قديمة، فالقرآنُ حقيقةً هو المعنى من دونِ خصوصيَّةِ المبنى.
والدَّليلُ عليهِ قولُهُ تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} (1) ، فإنَّ الضَّميرَ راجعٌ إلى القرآن، وظاهرٌ أنَّ نظمَهُ العربيُّ ليس بموجودٍ في كتبِ سابقِ الأديان؛ فإنَّها مُنَزلةٌ باللُّغةِ السِّريانيَّة، أو العبرانيَّة، أو بغيرهما من اللُّغاتِ الغيرِ العربيَّة، فلو كان النَّظمُ العربيُّ داخلًا في الحقيقةِ القُرآنيَّةِ لم يَصِحْ كونُهُ في الكتبِ الماضية.
وأيضًا قال الله تعالى: {إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى، صُحُفِ ِإِبَراهِيمَ وَمُوسَى} (2) ، ومعلومٌ أنَّ النَّظمَ العربيَّ لم يَكُنْ في صحفِهما، ولا في صحفِ غيرهما.
وأيضًا قد حقَّقَ أهلُ السُنَّةِ في كتبِهِم أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ لا خالقَ ولا مخلوق، وكفَّروا مَن قال: إنَّه مخلوق، وقد جرتْ في هذه المسألةِ في زمانِ الإمامِ أحمدَ من الحوادثِ ما جَرَت، كما هو في كتبِ التَّاريخِ مسطور، وفي كتبِ الكلامِ (3) مشهور.
(1) من سورة الشعراء، الآية (196) .
(2) من سورة الأعلى، الآيتان (18 - 19) .
(3) أي كتب العقائد الإسلامية، وسمي بذلك؛ لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا، أو لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه حيث أدت هذه المسألة إلى نِزاع عظيم بين المسلمين، وقتل عليها العدد الكبير من العلماء، وعذب الكثير منهم كالإمام أحمد - رضي الله عنه -، أو لأنه أول ما يجب من العلوم التي تعلم، ولا تعلم إلا بالكلام، أو لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات والزام الخصوم. ينظر: (( شرح العقيدة النسفية ) ) (ص 8) للشيخ عبد الملك السعدي.