المباحة المتقومة بالأثمان في الغصوب وغيرها ,وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلسًا, ويقولون الخمسة في مقابلة الخرقة, فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها, وزيادة تساوي الصناعة؟. [1]
فبيع المصوغ مما دعت الحاجة إليه, ولا يمكن بيعه بوزنه من الأثمان, فوجب أن يجوز بيعه بما يقوم به من الأثمان ,وإن كان الثمن أكثر منه, فتكون الزيادة في مقابل الصنعة.
والزيادة هنا تعقل إذ من يأخذ لها أجرة بخلاف الزيادة في الأصناف الأربعة, فإنها من نعم الله المخلوقة, فجاز أن يؤمر ببذل إذا بيعت بجنسها أحيانًا, وأما هنا فهو ظلم لمن أعطى أجرة الصياغة أن يقال له بعها وأخر الأجرة.
والدراهم والدنانير لا تقوم فيها الصفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه لم يضربوا درهمًا, ولا دينارًا, بل تعاملوا بضرب غيرهم, وأول من ضرب الدراهم والدنانير عبد الملك بن مروان, والسلطان إذا ضربها ضربها لمصلحة الناس, وإن ضربها ضارب بأجر. ثم قال: فتجوز التجارة في الحلي المباح ,ويجوز فيه الأجل إذا لم يقصد الانتفاع بالحلية, لم يقصد كونها ثمنًا, كما يجوز بيع سائر السلع إلى أجل ,فإن هذه سلعة من السلع التي ليست ربوية.
قال د/ المصري: ورأى ابن تيمية ,وابن القيم في اعتبار الحلي سلعة تعامل بالنقدين كما تعامل السلع فيه تيسير على الصاغة الذين يشترون, ويبيعون أو يستوردون, ويصدرون بالنقد والنسيئة ,وهو مبني علي الحاجة والعرف.
ولو اعتبرنا الحلي كالأثمان, لما جاز للصاغة أن يتعاملوا بها نسيئة ,بأي نقد كان ذهبًا, أو فضة ,أو فلوسًا ورقية ,ومن الصعب أن نجبرهم على أخذ القمح ,أو الشعير ثمنًا؛ لأنهم لا يحتاجون إليها؛ ولأن هذا يعني التعدي على النقود ووظائفها. والرجوع عنها إلى ما دونها في التيسير ,والتسهيل, والحفظ وغيرها من خصائص النقود. وقد يقال في هذا شبهة أو ذريعة, ولكنه ليس من الحرام البين ,ولا يمكن منع الأعمال خوفًا من كل ذريعة ,فمن الحيل والذرائع ما يبقى مهما حاول
(1) - إعلام الموقعين ... ج 2 ص 161.