إن البيوع إذا كانت بصيغ شرعية معتبرة بعيدة عن صيغ الربا وصوره فأنها جائزة إذا كان يتوصل بها إلى تحقيق المطالب والغايات [1] . والقول أن حقيقة التورق أيلولته إلى الربا فيه نظر ولو أردنا أن نطبق حال من احتاج إلى نقد وسلك في سبيل تحصيله مسالك الحصول عليه من بيوع المرابحة أو المشاركة المتناقصة، أو بيوع السلم، أو غير ذلك من وسائل الحصول على الاستزادة من النقود مما هو جائز شرعًا لقلنا بمنع ذلك، لأن قصده الحصول على النقد بواسطة شراء السلع ثم بيعها. وهذا لا يقول به أحد، ثم إن تطبيق مسألة التورق على مسألة: درهم بدرهمين وبينهما حريرة تطبيق مع الفارق ذلك أن الحريرة لا تساوي قيمتها الدرهم الزائد وإنما جيء بها للتحليل، أما التورق فالراغب في النقد يشتري سلعة بثمن مؤجل هو مثل الذي تباع به على آخر بيعًا مؤجلًا، ثم أن مشتريها يبيعها في السوق بثمن مثلها حَالاًّ فظهر بهذا الفرق بين المسألتين [2] .
ان ابن تيمية يرى التورق حيلة على الربا ربما كان كذلك في زمن ابن تيمية ولكن الآن - ان كان حيلة - هو حيلة للهروب من الربا. يقول ابن تيمية في مسألة الحيلة:"وأصل هذا الباب ان الأعمال بالنيات وأنما لكل امرء ما نوى فإن كان قد نوى ما أحل الله فلا بأس وان نوى ما حرم الله وتوصل إليه بحيلة فان له ما نوى" [3] . فلا تكون حيلة إلا ان ينوي محرمًا يتوصل إليه بالتحايل. والمتورق ليس نيته ارتكاب الحرام بل نيته اجتناب الحرام كيف لا والحرام مُشرعة ابوابه امامه وهو أقل كلفة ونفقة ثم يتركه ويأخذ بالتورق لاجتناب الحرام.
ويضيف في ابواب الحيل:"وكذلك اذا اتفقا على معاملة ربوية ثم اتيا صاحب حانوت. . . فهذا دليل على ان المحتال يقصد الحرام يلبس بلباس المباح" [4] . ويقول"هذه المعاملة وامثالها التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة" [5] .وجلي ان ليس هو مقصد همها [6] . فتعليل من منعها بكون المقصود منها التحايل على الربا، فليس فيه تحيل على الربا بوجه من الوجوه، مع مسيس الحاجة إليها، لأنه ليس كل واحد اشتدت حاجته إلى النقد يجد من يقرضه بدون ربا، وما دعت إليه الحاجة، وليس فيه محذور شرعي، لم يجز تحريمه على العباد [7] .
الدليل الثالث: القول: أنها دراهم بدراهم بينهما حريرة
الجواب: يقول المنيع [8] :"القول بتحريم التورق من أن قصد المشتري النقد دون السلعة. هذا القصد لا يعتبر سببًا في القول بالتحريم فقد وجه صلى الله عليه وسلم عامله لتحقيق قصد الحصول على الجنيب من التمر بأن يبيع الجمع ويشتري بثمنه جنيبًا ولم يكن هذا القصد مانعاَ من صحة هذا التصرف والأخذ بهذا المخرج الصحيح للحصول على تحقيق الرغبة وقد وَجد من بعض فقهاء عصرنا هاجسُ حذَرٍ من التوسعَ في الأخذ بالتورق من قبل المصارف الإسلامية ويَظهر لي أنه هاجسُ وسواسٍ وإن اعتقد أهله أنه هاجس تقوى وورع".
(1) المنيع، حكم التورق كما تجريه المصارف الإسلامية، مرجع سابق، ص 7، بتصرف.
(2) المنيع، حكم التورق كما تجريه المصارف الإسلامية، مرجع سابق، ص 8.
(3) ابن تيمية، الفتاوى، مرجع سابق، ج 29/ ص 447.
(4) المرجع السابق، ج 29/ ص 241.
(5) المرجع السابق، ج 29/ ص 438.
(6) القري، التورق. معناه وحكمه. بحث منشور على موقع الشبكة الالكترونية ... www.islamifn.com
(7) العلوان، العينة محرمة والتورق جائز بلا قيد أو شرط، مرجع سابق، ص 2.
(8) المنيع، حكم التورق كما تجريه المصارف الإسلامية في الوقت الحاضر، مرجع سابق، ص 5. .