الصفحة 51 من 71

يقول ابن باز:"ان تعليل من منعها أو كرهها بكون المقصود منه هو النقد، فليس ذلك موجبًا لتحريمها ولا لكراهتها، لأن مقصود التجار غالبًا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل والسلع المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنما يمنع مثل هذا العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة" [1] .

رأي عمر بن عبد العزيز وصورته ان الله حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها، لما في ذلك من ضرر المحتاج، وهذا الدليل يسري حتى على الصورة التي نص عليها البهوتي. والدليل صحيح ولكن لا ينطبق على الواقع: فإن المتمول باع سلعة إلى أجل قبضها منه المشتري. فليس فيها دراهم بدراهم أكثر منها، وإلا لحرمت التجارة إلى أجل، وللأجل حصة من الثمن، كما أن الحكم على الراغب في السيولة أنه محتاج تصميم الصورة محتملة على جميع الصور، ذلك أن الراغب في السيولة المالية قد يكون غرضه التوسع في النفقات على عرس أو سفر، أو تكملة لثمن عقار اشتراه من صاحبه نقدًا ولم يجد في مدخراته ما يفي بالثمن أو غير ذلك من صور الحلال والحرام: فليس كل راغب في التحصيل على سيولة مالية محتاجًا. كما أن من يبيع إلى أجل ليس من أدب التعامل أن يسأل المشتري لماذا يشتري بالأجل. أو في أي مصرف سيصرف النقود التي يتحصل عليها لو باع ما اشتراه [2] .

ثم أن ذلك لا تأثير له على صحة المعاملة إذ أن التورق كسائر العقود الأخرى المطلوب فيه تحقق صورته الشرعية أما نية العاقد فلا أثر لها فالنوايا لا يعلمها إلا الله عز وجل. فيحرم البيع إذا لم تتحقق الصورة الشرعية ويجوز بتحققها. يشهد لذلك ما ورد في صحيحي البخاري ومسلم في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال له: أكل تمر خيبر هكذا، قال يا رسول الله أنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال له عليه الصلاة والسلام"لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبًا" [3] . إذ أن مبادلة التمر بالتمر يشترط فيها التساوي لأن التمر من الأموال الربوية التي وردت في حديث الاصناف الستة. فانظر كبف ان تغير صورة العقد نقله من الحرمة إلى الحل مع ان الغرض والقصد في كلا الحاليين واحد [4] . فالشارع الحكيم شرع [5] البيع لتحقيق مصالح الخلق، ومن ضمنها الانتفاع بالسلع: باستعمالها، أو الاتجار بها، أو الانتفاع بثمنها، كما هو الشأن في التورق، وما استدل به على إخراج هذا الانتفاع من دليل، هو:"مناقضة قصد الشارع"لا يظهر للخاصة، فضلًا عن العامة، وما كان الله ليحرم شيئًا، وبخفي دليله إلا عن خاصة الناس، فهذه مشقة تتنزه عنها الشريعة.

الدليل الرابع: القول بأن التورق من بيع العينة المجمع على تحريمه

الجواب: ان الفقهاء الذين ذكروا التورق ضمن صور العينة لم يحكموا بتحريمه، بل حكموا بالجواز. فلم يؤخذ ببعض قولهم دون بعض [6] .لا يدخل التورق في بيع العينة الذي أجازه الشافعي، لأن الشافعي يشترط ألا يكون هناك أرتباط بين البيعتين: البيعة التي بالأجل والبيعة التي بالنقد، ولا تظهر نية الحصول على النقد، وكلا الشرطين غير متحقق في التورق المصرفي، فالارتباط بين البيعتين منصوص عليه في العقد، فالمصرف هو الذي يبيع السلعة نسيئة بأكثر من ثمنها نقدًا، ويشترط على المستورق أنه يوكله في بيعها نقدًا بأقل مما باعها له به نسيئة ويسلمه الثمن، ويلتزم

(1) اابن باز، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، ج 19/ ص 50 - 51.

(2) السلامي، التورق والتورق المصرفي، مرجع سابق، ص 21.

(3) سبق تخريجه ص 20 من هذا البحث.

(4) القري، التورق. معناه وحكمه، مرجع سابق، ص 2.

(5) أنظر: السعيدي، التورق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر، مرجع سابق.

(6) السويلم، التورق. . . والتورق المنظم، مرجع سابق، ص 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت