فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 213

المبحث الرابع

الأحكام المتفرعة عن اختلاف القراءات

لا شك أن للقراءات أثرًا بالغًا في اختلاف الحكم الفقهي، أو الحكم النحوي أو البلاغي، وقد تعرض النيسابوري لهذا الأمر.

مثال ذلك قوله:"ثم يتفرع على كل من القراءتين أحكام، أما المتفرعة على الأول فقراءة {مَالِكِ} أرجى من قراءة {مَلِكِ} ؛ لأن أقصى ما يرجى من الملك العدل والإنصاف، وأن ينجو الإنسان منه رأسًا برأس، والمالك يطلب العبد منه الكسوة والطعام والتربية والإنعام، والملك يطمع فيك، والمالك أنت تطمع فيه، والملك لا يختار من العسكر إلا كل قوي سويّ، ويترك من كان مريضا عاجزا، والمالك إن مرض عبده عالجه، وإن ضعف أعانه. الملك له هيبة وسياسة، والمالك له رأفة ورحمة واحتياجنا إلى الرأفة والرحمة أشد من احتياجنا إلى الهيبة والسياسة. وأما المتفرعة على الثانية فإنه في الدنيا ملك الملوك {قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ} [1] وفي الآخرة لا ملك إلا هو {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ} [2] وملكه لا يشبه ملك المخلوقين لأنهم إذ بذلوا قلّت خزائنهم ونفدت ذخائرهم، وأنه سبحانه كلما كان أكثر عطاء كان أوسع ملكا، فإن أعطاك عشرة أولاد زاد في ملكه عشرة أعبد، ومن لوازم ملكه كمال الرحمة؛ فلهذا قرن بقوله: {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ومثله {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ} [3] ، {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ} [4] ، فمن اتصف بهذه الصفة من ملوك الدنيا صدق عليه أنه ظل الله في الأرض ... . [5] "

(1) سورة آل عمران، الآية: 26

(2) سورة غافر، الآية: 16

(3) سورة الفرقان، الآية: 26

(4) سورة الناس، الآيات: 2، 1

(5) ينظر (النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان 1/ 100) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت