"الأحاديث الصحيحة الكثيرة تدل دلالة واضحة على أن القرآن الكريم نزل على الأحرف السبعة، وتلك الأحرف تتمثل في القراءات القرآنية التي نُقلت إلينا نقلًا صحيحًا متواترًا."
إذن فكما أن القرآن الكريم وَحْيٌ منزل من الله عز وجل، فالقراءات المتواترة كذلك وحيٌ منزل منه تبارك وتعالى، ولكن أين ومتى كان نزولها؟ هل كان ذلك بمكة، أم كان نزولها بالمدينة؟
للعلماء في ذلك رأيان:
1 -بمكة المكرمة قبل الهجرة النبوية.
ودليل هذا القول: أن الأحاديث الواردة في نشأة القراءات تفيد أنها نزلت بمكة منذ بداية نزول القرآن الكريم؛ منها قوله صلى الله عليه وسلم:"أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده، ويزيدني حتى انتهي إلى سبعة أحرف" [1]
كما أن سور القرآن الكريم تنقسم إلى: مكية ومدنية، ومعظمها مكية، وفيها من القراءات ما في السور المدنية، ولا دليل على نزولها بالمدينة مرة ثانية، فهذا يدل على أن القراءات نزلت بمكة المكرمة.
2 -أنها نزلت بالمدينة بعد الهجرة النبوية.
لأنها نزلت للتيسير على الأمة؛ بسبب اختلاف لهجات القبائل ولغاتها، ولم تكن الحاجة إليها إلا بعد الهجرة لدخول القبائل المتجاورة والمتباعدة في الإسلام، كما أن اختلاف الصحابة في القراءات كان بالمدينة، ولم يكن ذلك في مكة، يدل على ذلك حديث أبيّ بن كعب، وحديث عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم.
كما أن ذكر"أضاة بني غفار"-وهو ماء بالقرب من المدينة- يدل على نزول القراءات بالمدينة، وذهب إليه كثير من الأعلام أمثال: ابن عبد البر، وأبي شامة المقدسي، وغيرهما.
وقد حاول بعض العلماء أن يجمع بين القولين:
(1) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، (6/ 184) رقم الحديث: 4991.