وعظيم عفته، ولذلك سارعت إلى إخبارهن بذلك فقالت: {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32] .
فلامتهن عن لومهن لها، وأخبرتهن أنه مع جماله الظاهر جميل الباطن، فقد استعصم وأبى الخيانة والفاحشة، وأن كمال جماله هذا، هو الذي يزيدها شغفا وحبا وتعلقا به، فلا تقوى على تركه!
ثم قالت: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] .
وهنا يقف يوسف عليه السلام شاهدا بعفته على إيمانه، وثابتا على حيائه ويقينه، يرسم للتاريخ معالم العفة وآفاقها .. وطرقها وأسبابها.
فقد عايش بتحريش النسوة وكيدهن، وتهديد امرأة العزيز ووعيدها، فلجأ بقلبه خاشعا متضرعا: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .
فاعترف لبارئه بضعف الحيلة، والخوف من سوء المنقلب، وتضرع يسأله الثبات والفرج، ولو أدى ذلك إلى سجنه وحبسه، فحبس الذات عن الذوات .. أهون عليه من حبس الفؤاد بالفاحشة عن رب الأرض والسماوات.