ومع هذا فيجب الحذر من إنزال القرآن على غير منازله، فمن أنزل آيات المؤمنين في الكافرين أو العكس، أو جعل المؤمنين الصالحين هم المنافقون الكافرون ضل ولم يهتد ووضع القرآن في غير مواضعه، وهذا باب عظيم ضل فيه من ضل ممن حجب الله نور القرآن عن أبصارهم، وهذا الباب أعني إنزال آيات القرآن منازله الصحيحة، وفقه الواقع على ضوء الكتاب هو ثمرة القواعد السابقة جميعها وهو ثمرة الهداية والتوفيق: {ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور} .
لا تخالط بشاشة القرآن القلب إلا من أخذه للعلم والعمل، وهذا هو الإيمان وأما من أخذه للعلم فقط دون العمل فإنه يوفق إلى الإيمان بل يكون حجة عليه، ويغلق قلبه دونه عياذًا بالله. فكم ممن قرؤا القرآن ودرسوه وحفظوه، ولم تخالط بشاشة الإيمان به قلوبهم، ولا رفعوا رأسًا به، وهؤلاء يكون القرآن حجة عليهم لا لهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: [والقرآن حجة لك أو عليك] (رواه مسلم)
كم من أوعية حفظت القرآن ولم تهتد به عياذًا بالله، وكم من منافقين وكفار علموا آياته وكذبوا بها {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا} .
حادي عشر: التسليم لله عند متشابهة:
القاعدة الحادية عشرة هي وجوب التسليم لله عند متشابه القرآن، والعلم أن القرآن كله من الله سبحانه وتعالى، وأنه نزل يصدق بعضه بعضًا، ولا يخالف بعضه بعضًا، وأنه لا اختلاف بين آياته، ولا اضطراب في أحكامه بل هو كتاب قد {أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}
ووجود المتشابه فيه الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم إنما هو لابتلاء الإيمان، ولتفاضل أهل العلم فيه، وعلى المؤمن إذا رأى المتشابه من آياته أن يقول: {آمنا به كل من عند ربنا} ..
وأهل العلم به يردون ما تشابه منه إلى محكمه، وأما أهل الزيغ والغواية فإنهم كما قال تعالى: {يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء} ..