وهو يدفع الشخص المهجور إلى العودة أحسن مما كان، وينشطه نشاطًا يستنفذ فيه قواه ويستخرج كافة طاقاته للعودة إلى الوضع الاجتماعي الطبيعي.
ولنَرَ حال كعب بن مالك - رضي الله عنه - حين هجره المسلمون لتخفه عن غزوة تبوك، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا، قال فاجتنبنا الناس، أو قال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني.
ولنَرَ الأثر الإيجابي للهجر عليه، وبقاء هذا الأثر طيلة عمره، قال كعب بعد أن نزلت توبته: فلما جلست بين يديه - صلى الله عليه وسلم - قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) )فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله إن الله تعالى إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله تعالى.
والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي.
والأسلوبان الأخيران -الغضب والإعراض- هي آخر الأساليب التي يلجأ إليها المعلم بعد نفاد ما بحوزته من أساليب.