لهذا نقول: إن هذا ليس تزهيدًا في كتب الفقه، وإنما هو دلالة وإرشاد إلى أنه ينبغي لطالب العلم أن يجمع مع الكتب الفقهية أدلة شرعية، فلا حرج عليه أن يحفظ كتابًا من الكتب الفقهية التي تعين الإنسان على فهم المسائل الفقهية، ككتب الفقه مثلًا في مذهب الإمام أحمد كمختصر الخرقي، أو زاد المستقنع أو دليل الطالب أو غيرها، أو مثلًا في مذهب الإمام مالك رحمه الله والكتب في ذلك كثيرة كمختصر خليل، وكذلك الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، وكذلك أيضًا في مذهب الشافعي رحمه الله كمتن أبي شجاع , ومذهب أبي حنيفة والكتب في ذلك أيضًا كثيرة، يعمد الإنسان إلى شيء من هذه الكتب لا حرج عليه أن يقدم مذهبًا على آخر، لكن شريطة أن يقرن في ذلك الأدلة على الطريقة السابقة. إذا عمد إلى ذلك صح لديه الفهم وصح وسلم لديه الاستنباط، واستطاع حينئذ أن يترسخ رسوخًا جيدًا مقترنًا بالأدلة ومهتديًا بكلام العلماء ومعترفًا ومقرًا بفضلهم، أما أن يعمد الإنسان إلى فهم شيء من كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على أقوال الفقهاء، فإن هذا يشق عليه أن يتجرد من تلك الأقوال التي سبقت إلى ذهنه، وخاصةً الإنسان في ابتداء الطلب كبعض طلاب العلم الذين يبتدئون مثلًا العلم الشرعي مبكرًا في سن الصغر قبل البلوغ فيحفظون المتون الفقهية، فهذا يصعب عليهم أن ينتزعوا عن فهم ما ترجح فيها إلى فهم الأدلة، وكذلك ما كان عليه فتيا السلف الصالح ومعرفة إجماعهم، فيصعب أن يتحولوا عن ذلك إلا بعد زمن طويل وربما عقود.