كذلك أيضًا من الأمور المهمة في هذا: أن يعلم أن المسارعة في تحصيل العلوم الشرعية وجدت حتى في الصدر الأول، فكان الصحابة عليهم رضوان الله تعالى يحذرون منها، فقد جاء عند الإمام عبد الله بن أحمد في السنة وغيره من حديث الأصم أن عبد الله بن عباس كان جالسًا عند عمر بن الخطاب فجاءه رجل من عماله، فقال: ما فعل الناس؟ فقال: قرأ القرآن منهم كذا وكذا، أي: كأنه يريد أن يبين أنهم حصلوا كذا وكذا من القرآن وانصرفوا إليه، فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ما وددت أن يسرعوا به هذه المسارعة، فزجر عمر بن الخطاب عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فقال: ما الذي قلت؟ عبد الله بن عباس يقول: فذهبت مهمومًا مغمومًا على وجهي فكنت طريح الفراش، فعادني نسوة من أهلي وما بي وجع إلا ذاك، يعني: الكلام، قال: فبينا أنا كذلك إذ قيل لي: أجب أمير المؤمنين، قال: فقمت إلى أمير المؤمنين، فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ فقال عبد الله بن عباس: والله ما أردت إلا خيرًا، قال: يا أمير المؤمنين! إني لا أحب أن يسرعوا فيه هذه المسارعة؛ فإنهم إذا أسرعوا فيه هذه المسارعة احتقوا، وإن احتقوا اختلفوا، وإن اختلفوا اختصموا وإن اختصموا اقتتلوا، فقال عمر بن الخطاب: لله أبوك! ما زلت أكتمها حتى قلتها، يعني: ما زلت أكتم هذه المهمة وهذه المسألة حتى قلتها، يعني: خشية أن أسيء للناس، أو ربما من باب الورع أو المقاصد التي قصدها عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وهي حسنة، إلا أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه بين هذا الأمر.