يعني حديث النفس سر تتلفظ به إلى غيره، يعني يتلفظ، وأخفى من السر هو حديث النفس، وهذا هو المشهور عند أهل العلم، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: السر ما تسر في نفسك وأخفى من السر ما يلقيه الرب أو الله عز وجل في قلبك من بعد ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك لأنك تعلم ما تسر به اليوم ولا تعلم ما تسر به غدًا. يعني ما سيكون سرًا في الغد، والمشهور الأول، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تُسر به غدًا، وعن ابن عباس: السر ما أسر ابن آدم في نفسه وأخفى ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه. وقال مجاهد: السر العمل الذي تسرون من الناس، وأخفى الوسوسة. على كلٍّ هذا أو ذاك الآية تعم الجميع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (أحاط بكل شيء علمًا) . وهذا مقتبس من قوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] . يقال: أحاط بالأمر أدركه من جميع نواحيه. الإحاطة هي: الإدراك من جميع نواحي الأمر، فالإحاطة إدراك الشيء من جميع جهاته، (أحاط بكل) لفظ كل هنا على بابه، يعني: كلية مقصودة، وهي صيغة عموم يدخل تحتها ما لا حصر من الأفراد، والكلية هنا مراده وفيه إثبات عموم علم الله تعالى، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] . وهذا عموم مطلق، فقد أحاط جل وعلا علمه بكل شيء مهما دق أو صغر أو خفي.
قال المصنف: (وقهر كل مخلوق عزة وحكمًا) . ما زال المصنف يذكر شيئًا من صفات الرب جل وعلا، القهر هو الغلبة والتذليل معًا، قَهَرَ كل مخلوق، القهر الغلبة والتذليل معًا، ويستعمل في كل واحد منهما، يعني: إما أن يُطلق لفظ القهر بمعنى الغلبة، أو يطلق لفظ القهر ويراد به التذليل فقط وقد يُجمع بينهم، هكذا قال في المفردات {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} ... [الأنعام: 13] ، {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] ، وهذا يستلزم كمال التصرف كيف يشاء، يعني: فيه كمال تصرف للرب جل وعلا كيف يشاء، والعزة من صفاته تعالى، وهي ثلاثة أقسام، العزة من صفات الرب جل وعلا وهي عند أهل السنة بمعانٍ ثلاثة، عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة أنواع ذكرها ابن القيم وغيره رحمه الله تعالى.
فعزة القدر معناها أن الله تعالى ذو قدر عزيز، أي: لا نظير له.
وعزة القهر هي عزة الغلبة، فهو غالب كل شيء، الله عز وجل غالب كل شيء قاهر كل شيء فالله عزيز لا غالب له، بل هو غالب كل شيء.
وعزة الامتناع وهي أن الله تعالى يمتنع أن يناله سوء، أو أذى مأخوذ من القوة والصلابة، ومنه أرضٌ عزازٌ، أي: قويةٌ صلبة.