فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 401

كذلك في معنى الجملة السابقة، والتقدير والتدبير بمعنى واحد، التقدير يعني: قدره قبل أن يوجد، والتدبير بمعنى أنه دبره قبل أن يوجد، فهما بمعنًى واحد، أي: لا يحدث في الوجود من حركةٍ ولا سكون إلا بعد أن يريده الله إرادة خلقٍ وتقدير، فلا أحد من الخلق له قدرةً أن يتغلب على إرادة الله عز وجل ويخرج عن مشيئته، وكل ما حدث أو سيحدث من قولٍ أو فعلٍ فقد علمه الله عز وجل بعلمه الأزلي الذي يعبر عنه بعلم القدير وقدر حدوثه فلم يصدر إلا بعد تدبيره وتكوينه كما نص على ذلك المصنف رحمه الله تعالى، (ولا محيد عن القدر المقدور) ، (ولا محيد) أي: لا مفر ولا محيص لأحدٍ عن المقدر، فإذا كتب الله عز وجل على المخلوق على العبد شيئًا يرى أنه يضره في ظنه حينئذٍ لا يمكن أن يفر عن هذا المقدور، ولا يمكن أن يحيص عنه ولا أن يحيد عنه البتة، أي: لا مفر ولا محيص لأحدٍ عن [المقدر والمكتوب عليه] ، على المقدر المكتوب عليه قبل أن يخلق السماوات والأرض، فلا يتعدى ما جرى به القلم في أم الكتاب البتة، كل ما كتبه الله عز وجل وهو واقعٌ ولا محالة، (ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور) ، وهو اللوح المحفوظ، (اللوح المسطور) خز اللوح المحفوظ، المذكور في القرآن وكتب الله فيه مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض، ثم قال: (أراد ما العالم فاعلوه) . وفي بعض النسخ: (أراد ما العباد فاعلوه) . وهذه أولى، (أراد ما العباد فاعلوه) ، فما من فعلٍ واقعٍ في العالم إلا وقد أراده الله تعالى كونًا كما سيأتي، بمعنى أن الإرادة نوعان: إرادة كونية وهي مرادفة للمشيئة، وإرادة شرعية وهي مرادفةٌ للمحبة. حينئذٍ إذا قيل بأنه لا يوجد شيء على وجه البسيطة إلا وقد أراده الله عز وجل، نقول: كونًا. لماذا؟ لأنه وُجد الكفر، والله لا يحب الكفر، ووُجد الفسق والعصيان والله لا يحب الفسق والعصيان، كيف يوجد على هذه البسيطة ما لا يحبه الله؟ هل هذا خارجٌ عن إرادته؟ الجواب: لا، ليس خارجًا عن إرادته، لأن هذا الفسق وهذا الكفر مخلوق، وإذا كان مخلوقًا ليس عندنا خالق إلا الله عز وجل، إذًا الله خالقه، لكن هل هو محبٌ له راضيًا عنه؟ الجواب: لا، حينئذٍ أراده كونًا بأن يقع في الكون لحكم يعلمها هو جل وعلا، ولم يرده شرعًا، يعني: لم يحبه ولم يرضى به، إذًا (أراد ما العالم فاعلوه) أو (ما العباد فاعلوه) ، والمعنى واحد والإرادة هنا كونية بمعنى المشيئة، وهو معنى قوله فيما يأتي: (خلق الخلق وأفعالهم) . فأفعال العباد مخلوقة، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] . أي: وعملكم، فما هنا مصدرية وهي تؤول مع ما بعدها بمصدرِ، (ولو عصمهم لما خالفوه) ، يعني: لو أراد الله عز وجل من الخلق أن لا يعصوه لما عصوه، أليس كذلك؟ لأنه لا يقع إلا ما أراده، فإذا أراد منهم وقوع المعصية وقعت المعصية، وإذا أراد منهم أن لا يخالفوه أن لا يعصوه كذلك وقع، إذًا لا معقب لحكمه ولا راد لما أراده الله عز وجل، (ولو عصمهم) جل وعلا، أي: منعهم، (لما خالفوه، ولو شاء الله أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه) ، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت