ويحك يا نفس! ما أراك إلا ألفت الدنيا، فاحسبي أنك غافلة عن عقاب الله وثوابه، وعن أهوال القيامة وأحوالها، فما أنت مؤمنة بالموت المفرق بينك وبين محابك، ولذلك قال سيد البشر - صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل فقل لي: يا محمد، عش ما شئت، فإنك ميت، وأحبب من شئت، فإنك مفارقه ... » الحديث [رواه الحاكم وحسنه الألباني] .
أو ما تنظرين إلى الذين مضوا، كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبوا وخلوا؟ أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويؤملون مالا يدركون؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينًا، ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعًا!
ولعلك يا نفس أسكرك ميل القلوب لك، وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك ولا ذكر من ذكرك، كما أتى على الذين كانوا من قبلك، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: 98] .
فمن ذا يصلي عنك بعد الموت، ومن ذا يصوم عنك بعد الموت؟!
أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك، والقبر بيتك، والتراب فراشك، والدود أنيسك، والفزع الأكبر بين يديك؟!
فتوهم نفسك بعريك وانفرادك، بخوفك وأحزانك، وازدحمت الأمم كلها حتى اكتملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها، تناثرت نجوم السماء، وطمست الشمس والقمر، وأظلمت الأرض، وانشقت السماء، والملائكة انحدروا إلى الأرض للعرض والسؤال، وأدنيت الشمس من رؤوس الخلائق، ولا ظل لأحد إلا ظل عرش رب العالمين، وسال العرق على الأبدان، يظل العباد في موقفهم هذا خمسين ألف سنة، وكل منهم يقول: