الصفحة 19 من 33

حقيقة هذا الخسران يوم التغابن، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويتكل على العفو، فيسهل عليه مواقعة الذنوب. لذا كان عمر رضي الله عنه إذا جن عليه الليل يضرب قدميه بالدرة «عصًا» ويقول لنفسه: ماذا عملت اليوم؟ وأبو طلحة رضي الله عنه لما شغلته حديقته عن صلاته خرج منها صدقة لله تعالى.

وحكي عن الخنف بن قيس أنه كان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحسن بالنار، ثم يقول لنفسه: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملت على ما صنعت يوم كذا؟

هكذا كان الصالحون من هذه الأمة يحاسبون أنفسهم على تفريطها، ويلومونها على تقصيرها، يلزمونها التقوى، وينهونها عن الهوى عملًا بقوله تعالى: {أَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَاوَى} [النازعات: 40 - 41] ، فالمؤمنون قوم أوقفهم القرآن فكان لهم قائدًا وحال بينهم وبين هلكتهم، فعلى العبد أن يحاسب نفسه كلما أحس بالنقصان، ويعينه على ذلك معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدًا، ويعينه عليها أيضًا معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الكريم سبحانه.

المقام الرابع: معاقبة النفس على تقصيرها:

مهما حاسب نفسه، فلم تسلم عن مقارفه معصية، فلا ينبغي أن يهملها؛ بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباح كما يعاقب أهله وولده، هكذا كانت عادة سالكي طريق الآخرة.

وقال بعضهم: دعوت نفسي إلى الله، فأبت علىَّ واستصعبت، فتركتها ومضيت إلى الله. وقال آخر: أول وصال العبد للحق هجرانه لنفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت