والمقصود: أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده، بإهمالها.
لذا نجد أن المؤمن أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه.
لذا قال الحسن: «لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: ماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين، والفاجر يمضي قدمًا لا يحاسب نفسه» .
وقال قتادة في قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] أضاع نفسه، ومع ذلك تراه حافظًا لماله مضيعًا لدينه. لذا قيل: من ملك نفسه عز، ومن ملكته نفسه ذل.
وقال الحسن: «إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته» . وقال ميمون بن مهران: «لا يكون العبد تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك» .
لذا اعلمي أن العبد كما ينبغي أن يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه، كذلك ينبغي أن يكون له ساعة يطالب فيها نفسه في آخر النهار ويحاسبها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم.
ومعنى المحاسبة أن ينظر في رأس المال، وفي الربح، وفي الخسران، لتتبين له الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه الفرائض، وربحه النوافل، وخسرانه المعاصي. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها؛ لأن إهمال النفس خسران عظيم، وإنما يظهر له