لما علم أرباب البصائر أنه لا ينجيهم من العذاب إلا طاعة الله، وقد أمرهم الله بالصبر والمرابطة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} [آل عمران: 200] ، فرابطوا أنفسهم أولًا بالمشارطة، ثم بالمراقبة، ثم بالمحاسبة، ثم بالمعاقبة، ثم بالمجاهدة، ثم بالمعاتبة. فكانت فهم في المرابطة ست مقامات، وأصلها المحاسبة، ولكن كل حساب يكون بعد مشارطة ومراقبة، ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة.
المقام الأول: المشارطة:
اعلم أن التاجر كما يستعين بشريكه في التجارة طلبًا للربح، ويشارطه ويحاسبه، كذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة، وإنما مطلبه وربحه تزكية النفس؛ لأن بذلك فلاحها، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10] . وفلاحها إنما يكون بالأعمال الصالحة، فالعقل يحتاج أن يشترط شروطًا على النفس ويجزم عليها، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنه لو أهملها لم يرَ منها إلا الخيانة، ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها، فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، فتدقيق الحساب مع النفس أهم كثيرًا من تدقيقه في أرباح الدنيا.
فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه.
فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس، فيقول لها: ما لي بضاعة إلا العمر، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، ولو توفاني لكنت أتنمى أن يرجعني إلى