وهي أن يعلم المسلم أن أعدى أعدائه إليه هو نفسه، وأنها بطبعها ميالة إلى الشر، تحب الراحة، وتنجرف مع الهوى.
لذا على المسلم أن يعلن عليها الحرب فإذا أحبت الراحة أتعبها، وإذا رغبت في الشهوة حرمها، وإذا قصرت في طاعة عاقبها ولامها، ثم ألزمها بفعل ما قصرت فيه، يأخذها بهذا التأديب حتى تطمئن وتطهر وتطيب، وتلك غاية المجاهدة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «خير الناس من طال عمره، وحسن عمله» [رواه الترمذي] . وقد يشق عليك مجاهدة نفسك، ولكن المجاهد طريق أكيد لعلو النفس وشرفها، وقد يطول بك الأمر فاصبري، لذا قال ابن المبارك: إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوًا، وإن أنفسنا لا تواتينا إلا كرهًا. وقال عمر بن عبد العزيز: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس، وسبيلك في ذلك أن تسمعها أخبار المجتهدين.
فهذا على رضي الله عنه يتحدث عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: «والله لقد رأيت أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وما أرى شيئًا يشبههم، كانوا يصبحون شعثًا غبرًا صفرًا قد باتوا سجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، وكانوا إذا ذكر الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم» .
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لولا ثلاث ما أحببت العيش يومًا واحدًا: الظمأ لله بالهواجر، والسجود له في جوف الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطاييب الكلام كما ينتقى أطاييب التمر.