ولو بدأت بالأذى، فكان موقفًا لفاطمة أنها تقدمت بين صفوف الرجال، وحملت سلا الجزور عن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - دون أن يصيبها أذى.
فالعاقل من الدعاة، والحكيم من أهل الاستقامة من يتعامل مع الأعراف والتقاليد الاجتماعية بما يتوافق معها، وهذه التقاليد والأعراف لا تبقى في كل زمان على هيئة واحدة، وإنما تتغير الأعراف والتقاليد من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، والشاهد والمشهود أن يوظفها الإنسان لصالح الدعوة ولصالح هداية الناس إلى طريق الله المستقيم.
عجزت قريش عن الإيذاء الجسدي الفردي فعمدوا إلى الحصار العام، فقدموا إلى أبي طالب وطلبوا منه أن يسلم لهم ابن أخيه - صلوات الله وسلامه عليه- فأبي، فقرر القرشيون مقاطعة بني هاشم لا يناكحونهم، ولا يبتاعون منهم، فأوى أبو طالب وبنو هاشم وبنو المطلب في شعب لهم يقال له شعب بني هاشم، ومكث الحصار ثلاث سنين ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله مؤمنهم وكافرهم ينالهم من الأذى ما الله - جل وعلا - به عليم.
بقي الحصار ثلاث سنين كان أبو طالب خلال مدة الحصار على كفره، إذا هجع الناس وناموا يعمد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأخذه لينام عنده، ويأمر أحد بنيه أن ينام في مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لو همَّ أحد بقتله يقتل ابنه بدلًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك كله ولله الحكمة البالغة لم يرزق أبو طالب الإيمان بالله - جلا وعلا - ومات