مكانًا لا يراني فيه أحد لأنني مكشوف أمام الله في كل مكان. قال لهم: هكذا أدنيته؛ لأنه صاحب مراقبة لله عز وجل.
4 -أنهم الأحرار الذين تحرروا من عبودية النفس والمال والولد والدنيا، وجعلهم الله أحرارًا بالعمل الصالح في الدنيا والآخرة وفي القبر:
* أحرار في الدنيا بالأعمال الصالحة، يعملون الأعمال الصالحة المتنوعة، لا يقيدون أنفسهم بعمل واحد لأن من الناس من هو محبوس على الذكر، ومن الناس من هو محبوب على الصلاة ما له نصيب في الصدقة ولا من الصيام ولا القيام ولا عمل البر الآخر، أما أهل المراقبة فهم أحرار في كل طاعة، لهم في كل طاعة سبق.
* وفي القبر حريتهم في مسكنهم على مد البصر ليسوا محبوسين فيضيق عليهم القبر، وفي نورهم على مد البصر وفي نعيمهم يفتح لهم باب إلى الجنة.
* وحريتهم في الآخرة، لهم الجنة وآخر من يدخل الجنة له مثل الدنيا عشر مرات، وقد حررت المراقبة أهلها من الرق؛ فها هو عمر - رضي الله عنه - وأرضاه أراد أن يقرر هذه الحقيقة، فخرج في يوم من الأيام فوجد راعي غنم، فقال له عمر: أعطني شاة. قال هذا الراعي: أنا أجير عليها ولست صاحبها، قال أعطني الشاة، وقل لصاحبها: أكلها الذئب، وعمر - رضي الله عنه - يريد أن يختبر مراقبة هذا الراعي لربه تعالى، فقال الراعي: أقول لصاحبها: أكلها الذئب، ولكن ماذا أقول لله إذا عدت إليه وسألني عنها؟ فأعجب به عمر فذهب، فتعرف على سيد هذا الراعي ثم اشتراه منه فأعتقه، ثم قال: أعتقتك هذه المراقبة في الدنيا وأرجو أن تعتقك في الآخرة.
5 -أنهم أهل الحسنى وأهل الجنة وأهل النظر إلى وجه الله الكريم، قال الله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] ، أما الحسنى: فهي الجنة، أما الزيادة: فهي النظر إلى وجه الله الكريم، كما فسرها النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه مسلم: عن صهيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة- قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل» [1] ، وفي رواية أخرى زاد: «ثم تلا هذه الآية {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} » [2] .
6 -أنهم أهل صلاح وإصلاح لغيرهم، أهل صلاح في نفوسهم وأهل إصلاح لغيرهم، أهل صلاح في نفوسهم لأن قلوبهم ملئت بمراقبة الله عز وجل، وسلمت من كل شائبة، وألسنتهم ملئت بمراقبة الله عز وجل، فسلمت واستقامت، واستنارت ونجت، وجوارحهم ملئت بمراقبة الله عز وجل فحبسوها على طاعة الله، وحبسوها عن معصية الله وراقبوا الله تعالى على كل حال، وما يروى أن امرأة جميلة
(1) مسلم كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى (181) .
(2) الترمذي كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة يونس وصححه الألباني برقم (3105) ، أحمد (4/ 332) .