أما حاله - رضي الله عنه - في العبادة وما يتعلق بها، فهو صاحبها، وإمام عصره فيها؛ وإذا عُدَّ العباد الزهاد فهو مُقدَّم ركبهم، وإذا أحصي الذاكرون المخبتون فهو حامل رايتهم.
وقد روي عن عبادته وإخباته قصص كثيرة، وروايات عديدة، نقلها الأئمة والثقات عنه، فامتلأت بها الكتب والصحائف، ولولا خشية الإطالة وضيق المقام لسردت منها الشيء الكثير، ولكن أكتفي هنا بالإشارة:
يقول مالك بن أنس عليه رحمة الله تعالى: «كنت أدخل على الصادق جعفر بن محمد - رضي الله عنه - فيقدم لي مخدة ويعرف لي قدرًا، ويقول: يا مالك! إني أحبك، فكنت أُسَرُّ بذلك وأحمَد الله عليه.
وكان - رضي الله عنه - لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إما صائمًا وإما قائمًا وإما ذاكرًا، وكان من عظماء العباد وأكابر الزهاد الذين يخشون الله عز وجل، وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله اخضر مرة واصفرَّ أخرى، حتى ينكره من لا يعرفه! ولقد حججت معه سنة، فلما استوت به راحلته عند الإحرام، كان كلما هم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه. يقول: وكاد يخر من راحلته. فقتل له: قل يا ابن رسول الله! فلابد لك من أن تقول، فقال لي: يا ابن أبي عامر كيف أجسر أن أقول: لبيك اللَّهم لبيك؟ وأخشى أن يقول: لا لبيك ولا سعديك» [1] .
وقال مالك أيضًا: «ما رأيت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر
(1) الخصال (1/ 77) .