وقالوا: إن عمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النفاع متعد إلى الغير، أن أحدهما مَنْ الآخر ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب.
الصنف الرابع: وهو القول الراجح: إن أفضل العبادات: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته.
فأفضل العبادات وقت الجهد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد، وصلاة الليل، وصيام النهار, بل ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن.
والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء الزوجة والأهل.
والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورد، والاشتغال بإجابة المؤذن، وهكذا
وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف الثلاثة أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن النوع الذي تعلق به مَنْ العبادة وفارقه, يرى نفسه كأنه قد نقص وترك عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد.
وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاه الله تعالى أينما كانت، فمداره عليها فهو لا يزال متنقلا في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى. فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته معهم، وإن رأيت العُباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت الذاكرين رأيته