الصفحة 26 من 189

حكمة تشريع خيار المجلس [1]

الشريعة الإسلامية شريعة الكمال والخلود أنزلها الله سبحانه وتعالى ـ العليم بحال عباده ومآلهم ـ وافيه بمتطلباتهم وحاجاتهم فمحال أن تجد قضية ولا نجد لها في الإسلام حكمًا ولذا أتت هذه الشريعة بكليات عامة تنطبق على جزئيات كثيرة ومتنوعة وكل جزئية شرعها الله سبحانه نلمس فيها سرًا من أسرار التشريع الرباني وهنا إذا ألقينا نظرة فاحصة على حكمة تشريع خيار المجلس نرى أن الإسلام وضع منهجًا متكاملًا للتعامل يمنح أصحاب الحقوق ويوقف أصحاب المطامع عند مطامعهم حيث جعل مكان التبايع فرصة للنظر في السلعة وتقليبها وموازنتها ليكون المتبايعان على بينة من أمرهما ولئلا يحصل لهما الندم والحسرة بعد لزوم البيع وهذا الوقت بطبيعته كاف لامكان الإقدام على السلعة أو الأحجام عنها. كما أن النفس البشرية تندفع لما ترغبه اندفاعًا عجيبًا من غير تفكير في النتائج فكان أن وضع الشارع هذا الوقت مهلة للمتعاقدين لقطع تعلق النفس بالسلعة صحيحة سليمة لا غش فيها ولا خديعة.

أما إن كان هناك تحايل من أحدهما على الآخر فإن الشارع يضع حدًا لمثل هذه التصرفات التي لاتتفق ومنهجه في أرضه. فيجيز والحالة هذه رد السلعة بانواع أخرى من الخيارات توجب الرد في غير مجلس العقد وحول حكمة التشريع يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (أثبت الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين وليحصل تمام الرضا الذي شرطه تعالى فيه بقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] [2] .

(1) عند القائلين به.

(2) سورة النساء آية 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت