فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 192

مسألتنا هذه: أن الحديث «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» ورد بألفاظ أخرى , في بعضها «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاَثِينَ» ولكن إمامًا عظيما من أئمة الشافعية , بل هو إمامهم في وقته , وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج [1] , جمع بين الروايتين , بجعلهما في حالين مختلفين: أن قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» معناه: قدروه بحسب المنازل , وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم , وأن قوله: «فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ» خطاب للعامة [2] .

فقولي هذا يكاد ينظر إلى قول ابن سريج , إلا أنه جعله خاصًا بما إذا غم الشهر فلم يره الراؤون , جعل حكم الأخذ بالحساب للأقلين , على ما كان في وقته من قلة عدد العارفين به , وعدم الثقة بقولهم وحسابهم , وبطء وصول الأخبار إلى البلاد الأخرى , إذا ثبت الشهر في بعضها , وأما قولي فإنه يقضي بعموم الأخذ بالحساب الدقيق الموثوق به , وعموم ذلك على الناس , بما يسر في هذه الأيام من سرعة وصول الأخبار وذيوعها. ويبقى الاعتماد على الرؤية للأقل النادر , ممن لا يصل إليه الأخبار , ولا يجد ما يثق به من معرفة الفلك ومنازل الشمس والقمر.

ولقد أرى قولي هذا أعدل الأقوال , وأقربها إلى الفقه السليم , وإلى الفهم الصحيح للأحاديث الواردة في هذا الباب. [3] . اهـ.

هذا ما كتبه العلامة شاكر منذ أكثر من نصف قرن (ذي الحجة 1357 هـ ـ الموافق يناير 1939 م) .

(1) «سُرَيْجٍ» بالسين المهملة المضمومة وآخره جيم، ويكتب خطأ في كثير من الكتب المطبوعة «شريح» بالشين والحاء، وهو تصحيف. وأبو العباس هذا توفي سنة 306 هـ، وهو من تلاميذ أبي داود صاحب"السنن"، وقال في شأنه أبو إسحاق الشيرازي في"طبقات الفقهاء" (ص 89) : «كان من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين ... وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى عَلَى المُزَنِيِّ» . وله تراجم جيدة في"تاريخ بغداد"للخطيب: (ج 4 ص 278 - 290) و"طبقات الشافعية"لابن السبكي: (ج 2 ص 67 - 96) . وَعَدَّهُ بَعضهم مجدد المائة الثالثة.

(2) انظر"شرح القاضي أبي بكر بن العربي على الترمذي": (ج 3 ص 207، 208) ، و"طرح التثريب": (ج 4 ص 111 - 113) ، و"فتح الباري": (ج 4 ص 104) .

(3) رسالة"أوائل الشهور العربية": ص 7 - 17 نشر مكتبة ابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت