لما كانت الرّدة؛ قام أبو بكر - رضي الله عنه في الناس خطيبًا فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: الحمد الله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى، إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم والعلم شريد والإسلام غريب طريد، قد رثَّ حبله، وخِلق ثوبه وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب، فلا يعطيهم خيرًا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرًا لشَّر عندهم، وقد غيرَّوا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون: أنهّم في منعة من الله، لا يعبدونه، ولا يدعونه فأجهدهم عيشًا وأظلهم دينًا، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السَّحاب، فختمهم الله بمحمد، وجعلهم الأمة الوسطى ونصرهم بمن اتَّبعهم ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيَّه، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزل عليه وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم:"وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ"
انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ" (عمران, آية: 144) ."
إنَّ من حولكم من العرب قد منعوا شاتهم، وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم - وإن رجعوا إليه - أزهد منهم يومهم هذا، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما تقدم من بركة نبيَّكم وقد وكَّلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالًا فهداه، وعائلا فأغناه:"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (آل عمران, آية: 103) .