فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 237

وقبل عقد الصلح مع غطفان شاور رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة في هذا الأمر، فكان رأيهم عدم إعطاء غطفان شيئًا من ثمار المدينة، وقال السَّعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة؛ يا رسول الله؛ أمرًا تحبه، فتضعه أم شيئًا أمرك الله به لابدَّ لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ فقال: بل شيءٌ أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنَّي رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم - أي: اشتدوا عليكم - من كلَّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنَّا وهؤلاء على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرىً - أي: الطَّعام الذي يُضع للضيف - أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزّنا بك، وبه، نعطيهم أموالنا؟ مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السَّيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك.

فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليَجْهدوا [1] علينا كان رد زعيمي الأنصار: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في غاية الاستسلام لله تعالى، والأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، فقد جعلوا أمر المفاوضة مع غطفان ثلاثة أقسام.

الأول: أن يكون هذا الأمر من عند الله تعالى، فلا مجال لإبداء الرّأي بل، لابدَّ من التسليم، والرَّضا.

الثاني: أن يكون شيئًا يحبُّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره رأيه الخاص، فرأيه مقدَّمُ وله الطاعة في ذلك.

الثالث: أن يكون شيئًا عمله الرّسول صلى الله عليه وسلم لمصلحة المسلمين من باب الإرفاق بهم، فهذا هو الذي يكون مجالًا للرّأي.

ولما تبين للسعدين من جواب الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه أراد

(1) سيرة ابن هشام (3/ 234) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت