وكان علي رضي الله عنه يعلم أن الحاكم إذا لم يكن له مستشارون فلا يعلم محاسن دولته ولا عيوبها وسوف يغيب عنه الكثير في شؤون الدولة وقضايا الحكم، وكان يعلم أن الشورى تعرفه ما يجهله، وتضع أصابعه على مالا يعرفه، وتزيل شكوكه في كل الأمور التي يقدم عليها، فها هو يقول للأشتر النخعي عندما ولاه مصر: انظر في أمور عمالك الذين تستعملهم، فليكن استعمالك إياهم اختيارًا ولا يكن محاباة ولا إيثارًا، فإن الأثرة بالأعمال - أي الاستبداد بلا مشورة - والمحاباة بها جماع من شعب الجور والخيانة لله، وإدخال الضرر على الناس، وليست تصلح أمور الناس، ولا أمور الولاة إلا بالإصلاح من يستعينون به على أمورهم، ويختارونه لكفاية ما غاب غيهم، فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والعفة والسياسة والصق بدوي التجربة والعقول والحياء من أهل البيوتات الصالحة وأهل الدين والورع، فإنهم أكرم أخلاقًا وأشد لأنفسهم صونًا وإصلاحًا وأقل في المطامع إسرافًا، وأحسن في عواقب الأمور نظرًا من غيرهم فليكونوا عمالك وأعوانك [1] .
(1) الشورى بين الأصالة والمعاصرة. عز الدين التميمي ص 102، علي بن أبي طالب للصَّلاَّبي ص 226.