وقد يرد بالمعنيين معًا كقوله:"وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا" (الكهف، آية: 26) ، فهذا يتناول حكمه الكوني وحكمه الشرعي.
والإرادة نوعان:
فالكونية: كقوله تعالى:"فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" (البروج، آية: 16) .
وقوله:"وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً" (الإسراء، آية: 16) .
وقوله:"إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ" (هود، آية: 34) .
والدينية: كقوله تعالى:"يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة، آية: 185) . وقوله:"وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ" (النساء، آية: 27) .
فلو كانت هذه الإرادة كونية لما حصل العسر لأحد منا، ولو وقعت التوبة من جميع المكلفين [1] ، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه في مسألة الأمر والإرادة، هل متلازمتان أم لا؟
والصواب أن الأمر يستلزم الإرادة الدينية، ولا يستلزم الإرادة الكونية، فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا، كإيمان من أمره ولم يوفقه للإيمان مراد له دينًا لا كونًا، وكذلك أمر خليله بذبح ابنه ولم يرده كونًا وقدرًا، وأمر رسوله بخمسين صلاة ولم يرد ذلك كونًا وقدرًا، وبين هذين الأمرين وأمر من لم يؤمن بالإيمان فرق، فإنه سبحانه لم يحب من إبراهيم ذبح ولده، وإنما أحب منه عزمه على الامتثال، وأن يوطن نفسه عليه، وكذلك أمره محمدًا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بخمسين صلاة، وأما أمره من علم أنه لا يؤمن بالإيمان سبحانه يحب من عباده أن يؤمنوا به وبرسله، ولكن اقتضت حكمته أن أعان بعضهم على فعل ما أمره ووفقه له، وخذل بعضهم فلم يعنه ولم يوفقه، فلم تحصل مصلحة الأمر منهم، وحصلت من الأمر بالذبح [2] .
وأما الكتابة:
فالكونية: كقوله:"كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي" (المجادلة، آية: 21) .
(1) الجامع الصحيح في القدر صـ 131.
(2) المصدر نفسه صـ 131.