وهذه الوصية النبوية تعد تدريبًا عمليًا على توطين النفس ورضاها بالقضاء والقدر، وتسليمها لما يقدر الله، اعتقادًا بأن ذلك هو الأصلح، والأنفع للعبد، فإذا همَّ المسلم بأمر من الأمور المباحة، من سفر أو زواج، أو تجارة أو غير ذلك فعليه أن يبادر إلى العمل بهذه الوصية النبوية، فيدعو بدعاء الاستخارة متذللًا أمام ربه، متواضعًا بين يديه، مستسلمًا لأمره، راضيًا بحكمه، داعيًا أن يختار الله له ما فيه الخير في دينه ومعاشه وعاقبة أمره، وأن يصرف عنه هذا الأمر إن كان فيه شر، ثم يعزم على هذا الأمر، فإن انشرح صدره له، ويسر الله طريقه، وهو الخير الذي اختاره الله، وإن جاء الأمر على عكس ذلك، فعليه أن يفرح، لأن الله صرف عنه شرًا واختار له ما يصلحه، ولو لم يدرك الحكمة فلتطمئن نفسه ولا يبقى متعلقًا بهذا الأمر، أو قلقًا من أجله، وبهذه الوصية النبوية، يدرب المسلم نفسه عمليًا على الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، ويجاهد نفسه على مخالفة هواها ويربيها على الالتزام بأمر الله، لأن في ذلك صلاح دنياه وآخرته [1] .
روى الأعمش عن مسعود رضي الله عنه قال: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإمارة حتى يتيسر له، نظر إليه الله من فوق سبع سماوات، فيقول للملائكة: أصرفوه عنه فإني أن يسرته له أدخلته النار، قال: فيصرفه الله عنه، قال: فيقول: من أين دُهيت؟ وما هو إلا فضل الله سبحانه.
ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يهتم كثيرًا بدعاء الاستخارة ليعلمه لأصحابه، كما يعلمه السورة من القرآن، وهذا دليل على غاية الإهتمام به، والحرص عليه [2] ومن هو
(1) منهج الإسلام في تزكية النفس (1/ 161) .
(2) المصدر نفسه (1/ 161) .