قلت: بل ليس في الحديث دلالة ظاهرة على جواز كشف الوجه هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن تفسير الخمار: بأنه غطاء الرأس تفسير ضيق بل الخمار أعم من ذلك فأصل التخمير التغطية سواء كانت للرأس أو غيره, ومنه قول عائشة -رضي الله عنها- كما في حديث الإفك في صحيح البخاري (فتح 8/ 452) وغيره ( .. فخمرت وجهي بجلبابي) . قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري 8/ 463) : فخمرت أي: غطيت, وقد تقدم بعض بيان لمعني الخمار في الأدلة على المشروعية والوجوب, وقد نقل الشيخ ناصر نفسه في كتاب حجاب المرأة المسلمة بعض ما جاء في ترجمة أبي علي التنوخي أنه أنشد: قل للمليحة في الخمار المذهب أفسدت نسك أخي التقي المذهب
نور الخمار ونور خدك تحته عجبًا لوجهك كيف لم يتلهب فهذا يفيد أن الخمار قد يغطي الوجه أيضًا. الدليل السابع للمبيحين وتوجيهه واحتج الشيخ ناصر أيضًا بما أخرجه البخاري (فتح الباري 2/ 465) وغيره.
من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- (أنه شهد العيد مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى ثم خطب, ثم أتى النساء فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة فرأيتهن يهوين بأيديهن(36) يقذفنه في ثوب بلال, ثم انطلق هو وبلال إلى بيته).
صحيح
وأخرجه أبو داود (1146) , والنسائي (3/ 186) .
(36) قال الشيخ -رحمه الله - نقلًا عن ابن حزم في المحلى (3/ 217) - فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى أيديهن فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة, وما عداها ففرض ستره.
قلت: فيما قاله الشيخ ناصر -رحمه الله- نظر إذ أن اللفظ ليس صريحًا في مراده فقوله: رأيتهن يهوين بأيديهن لا يفد صراحة أن اليد كانت مكشوفة هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى أن ابن عباس يقول في أول الحديث عند البخاري: .. ولولا مكاني من الصغر ما شهدته, وذلك لما سئل أشهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ وحمل بعض أهل العلم هذا القول على أن ابن عباس أراد أنه لولا مكانه من الصغر ما شهد ما وقع من وعظه النساء؛ لأن الصغر يقتضي أن يغتفر له الحضور معهن بخلاف الكبر, فإن قال قائل: فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان حاضرًا؟ قلنا: قد تقدم قريبًا ما حرره الحافظ ابن حجر -رحمه الله- من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يغتفر له من النظر إلى الأجنبيات مالا يغتفر لغيره. فإن قال قائل: فبلال؟ قلنا إن الحديث ليس فيه ما يساعد على الجزم بأن بلالًا -رضي الله عنه- رأى أيديهن مكشوفة. والله أعلم. الدليل الثامن: حديث سُبيعة واستدل الشيخ -رحمه الله- أيضًا بحديث سُبيعة بنت الحارث -رضي الله عنهما- ومما ذكره الشيخ فيه: (أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع وكان بدريًا فوضعت حملها قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته, فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت(واختضبت وتهيأت) (37) فقال لها: اربعي على نفسك أو نحو هذا لعلك تريدين النكاح؟ إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت فأتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك فقال: (( قد حللت حين وضعت ) ).
بيان أن رؤية أبي السنابل لسبيعة كانت أثناء خطبته لها: قال الإمام البخاري -رحمه الله- (فتح 9/ 469) :
حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن امرأة من أسلم يقال لها: سبيعة كانت تحت زوجها توفي عنها وهي حُبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك, فأبت أن تنكحه فقال: والله ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدي آخر الأجلين فمكثت قريبًا من عشر ليال ثم جاءت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (( أنكحي ) ) (38)
صحيح
وأخرجه مسلم (3/ 704) , وأبو داود (2306) , والنسائي (6/ 194) , وهذا السياق الذي سقناه عند البخاري هو عند النسائي أيضًا بلفظ قريب.
(37) قال الشيخ -رحمه الله-: والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف النساء الصحابة وكذا الوجه أو العينين على الأقل.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)