فأكرم به كتابًا ما الكواكب الدرارى بأجلى للظلمات من أضواءه. ولا السحائب الجوارى بأغدق بالحيا من أنواءه.
كتابٌ لهُ من شرعِ أحمدَ شِرْعةٌ ... مطهَّرةٌ تعلو السِّماكينِ والنَّسرا
على مفرقِ الإسلامِ تَاجٌ مُرصِّعٌ ... أضاء به شمسًا ونارَ به بَدرا
وقد سبق بيان أن أبا عيسى ذكر اصطلاحات زائدةً عما ذكره أهل الاصطلاح، ومن ذلك قوله في بيان مراتب الأخبار (( حسن غريب ) ). وتفسير معناه على ما سبق بيانه أنَّ: (( كلُّ حديث قال عنه (( حسن غريب ) )فهو حديث قد رُوى من غير وجهٍ نحوه، وإنما يُستغربُ من الطريق المذكورة لتفرد راوٍ بها )) .
وهذه تتمة الأمثلة النماذج المبينة لهذا التفسير:
(( الحديث الثانى ) )
قال الترمذى فى (( كتاب الصلاة ) ) (360) :
حدَّثنا محمد بن إسماعيل ثنا على بن الحسن ثنا الحسين بن واقد ثنا أبو غالب قال: سمعتُ أبا أمامة يقول: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتَّى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخطٌ، وإمام قومٍ وهم له كارهون ) ).
قال أبو عيسى: (( هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ) )اهـ.
وأخرجه كذلك ابن أبى شيبة (3/ 358/17138) ، والطبرانى (8/ 284،286/ 8090،8098) ، والبغوى (( شرح السنة ) ) (3/ 404) جميعا من طريق على بن الحسن ابن شقيق عن الحسين بن واقد المروزى عن أبى غالب عن أبى أمامة به.
وهذا مما يصدق أن يقال عنه (( رُوى من غير وجهٍ نحوه ) )، وإنما استغربه الترمذى من حديث أبى أمامة لتفرد الحسن بن على به، وبيَّن بقوله (( حسن ) )أنه مروى من غير وجهٍ نحوه، وزاده إيضاحًا بإيراده حديث أنس، وحديث عمرو بن الحارث في باب ما جاء فيمن أمَّ قومًا وهم له كارهون، ثم قال: (( وفى الباب عن ابن عباس، وابن عمرو، وطلحة ) )اهـ.
وهاك بيان هذه الوجوه، والله المستعان:
[حديث عبد الله بن عبَّاسٍ]
أخرجه ابن ماجه (971) ، وابن حبان (1754) ، والطبرانى (11/ 449/12275) ، والمقدسى (( الأحاديث المختارة ) ) (10/ 374/400،401) جميعا من طريق عبيدة بن الأسود عن القاسم بن الوليد عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة: إمام قومٍ وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها غضبان، وأخوان متصارمان ) ).
[حديث عبد الله بن عمروٍ]
أخرجه أبو داود (593) ، وابن ماجه (970) ، والبيهقى (( الكبرى ) ) (3/ 128) و (( الصغرى ) ) (565) ، والأصبهانى (( الترغيب والترهيب ) ) (1989) ، والمزى (( تهذيب الكمال ) ) (22/ 238) جميعا من طريق عبد الرحمن بن زياد الأفريقى عن عمران بن عبدٍ المعافرى عن ابن عمرو قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ثلاثة لا تقبل لهم صلاة: الرجل يؤم القوم وهم له كارهون، والرجل لا يأتى الصلاة إلا دبارًا، ومن اعتبد محرَّرًا ) ).
قلت: عبد الرحمن بن زياد الأفريقى أحد المشاهير الأعلام، ولكن ضعَّفه أحمد وابن معين والنسائى، وقال الدارقطنى: ليس بالقوى. وكان البخارى يقوَّى أمره، ولم يذكره في الضعفاء.
وأما عمران بن عبدٍ المعافرى، فهو إلى الضعف أقرب. فقد ذكره العجلى فى (( معرفة الثقات ) ) (2/ 189) وقال: (( مصرى تابعى ثقة ) ). ولكن قال ابن حبان فى (( الثقات ) ) (5/ 220) : (( يعتبر حديثه من غير رواية عبد الرحمن بن زياد الأفريقى عنه ) ).
قال الحافظ ابن حجر: (( فكأنه لم يوثقه، إذ ليس له راوٍ غيره ) ).
[حديث أنس بن مالك]
أخرجه الترمذى (358) ، وابن الجوزى (( العلل المتناهية ) ) (1/ 436/744) عن محمد بن القاسم الأسدى عن الفضل بن دلهم عن الحسن سمعت أنس بن مالك يقول: (( لعن رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثة: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حى على الفلاح ثم لم يجب ) ).
قال أبو عيسى: (( حديث أنس لا يصح، لأنه قد رُوى هذا الحديث عن الحسن عن النَّبىِّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم. ومحمد بن القاسم تكلم فيه أحمد بن حنبل وضعَّفه، وليس بالحافظ ) ).
[حديث عمرو بن الحارث المصطلقى]
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)