حية لا يضمن بقاءها ووجودها إلا هذه المزاوجة التي تجمع الشيء ومقابله، كما تجمع في عالم الأحياء بين الذكر والأنثى» [1] .
والتقابل بين الأشياء في الكون وحياة الإنسان أمر تقتضيه المصلحة كما أرادها الله سبحانه وتعالى، يقول الجاحظ: «اعلم أن المصلحة في ابتداء أمر الدنيا إلى انقضاء مدّتها امتزاج الخير والشر، والضار بالنافع، والمكروه بالسّار، والضّعة بالرّفعة، والكثرة بالقلة، ولو كان الشرّ صرفا لهلك الخلق، أو كان الخير محضا لسقطت المحنة، وتعطلت أسباب الفكرة» [2] .
فالتقابل بين الأشياء ضرورة من ضروريات الحياة، فقد أقيمت عليه مظاهر الكون ومشاهده، وجبلت عليه طبائع النفوس، واقتضت الحكمة الإلهية أن ينبني الوجود الإنساني كلّه على فكرة التضاد، وتعليل الجاحظ لهذه الظاهرة الكونية مستمد من مفاهيم الشريعة الإسلامية التي ترجع في تفسيرها للمشكلات العويصة إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فقد ورد في القرآن الكريم تعليل فكرة الخلق والإماتة بالابتلاء، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيََاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2] .
وسقوط المحنة يعني سقوط الابتلاء الذي قدّره الله على المخلوقين، فبالابتلاء وحده يمكن الفصل بين ما هو حقّ وما هو باطل، وما هو شرّ وما هو خير.
«ولأن الله علم أنّ وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير، والمولى والعبد، ولا ينفعه إلا ما قدم من خير، صار ذلك داعيا إلى حسن العمل، وزاجرا عن ضده» [3] .
(1) عبد الكريم الخطيب التفسير القرآني للقرآن ط دار الفكر العربي ج 3ص 875874
(2) الحيوان تحقيق عبد السلام هارون ط 3دار إحياء التراث العربي: بيروت 1969ج 1ص 96.
(3) الحسن النيسابوري غرائب القرآن ورغائب الفرقان تحقيق إبراهيم عوض ط 1مطبعة البابي الحلبي: القاهرة 1970م ج 29ص 6.