ويأتي التركيز على قضية الوحدانية في القرآن الكريم لإقامة الحدود الفاصلة بين الحق والباطل في الأرض، إذ تتعارض كل الموازين البشرية، والمقاييس الأرضية في وضع الحدود الفاصلة بين ما هو حقّ وما هو باطل، والله وحده الذي لا ضدّ له ولا ند هو الذي سيفصل بين الأضداد والأنداد، فالوحدانية على هذا الأساس هي المقياس الوحيد في معرفة الخطأ والصواب، والخير والشر، والفضيلة والرذيلة.
ويسأل سيد قطب السؤال نفسه: «لماذا نالت هذه القضية (الوحدانية) كل هذه العناية في كتاب الله الكريم، ولماذا أنفق رسول الله صلى الله عليه وسلّم كل هذا الجهد في تثبيت هذه الحقيقة وتعميقها في ضمائر المسلمين، وفي حياتهم كذلك، لماذا شغلت هذه الحقيقة كل هذا الحيّز في القرآن كله، ولماذا وردت في معرض «الاعتقاد» ، وفي معرض العبادة، وفي معرض «الحكم» ، في القرآن المكي والمدني سواء؟ لقد علم الله سبحانه وعلّم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلّم أن هذا هو مفرق الطريق بين الصلاح والفساد في الأرض، في ضمائر الناس، وفي حياتهم، وأنه لا بدّ من وضوح كامل، وبيان حاسم لمفرق الطريق» [1] .
وكذلك يأتي التركيز على وحدانية الله في القرآن، وعلى المعاني الحقيقية لكلمة «لا إله إلا الله» ومقوماتها وخصائصها لأمر يتعلق بالوجود الإنساني كله، وليس مردّه إلى إنكار العرب في الجاهلية كما يظنّ البعض، فالأمر يعود إلى أن الله اللطيف الخبير يعلم النفس البشرية وطبيعتها، ويعلم أن الوحدانية هي محور ارتكاز الإنسان كله، وموجّه ألوان نشاطه، وأن نوع الحياة التي يحياها الإنسان تتعلّق بتصوره عن الإله والكون والإنسان [2] .
فالوحدانية في حقيقتها، وكما يريدها الله تعالى هي التصوّر الإسلامي الصحيح عن الله والكون والإنسان، وهذا التصوّر يجب أن يترسّخ في ضمير
(1) مقومات التصور الإسلامي ص 179.
(2) محمد قطب دراسات قرآنية ص 25.