هذه الآية تتحدث عن نماذج من البشر يعرفون بالخداع والنفاق، ويعرفون بتناقض السلوك لديهم حسب الوضع والظرف، فهم في بداية أمرهم من أهل الفقر والبؤس فيقيمون صلة مع الله ويتقربون إليه بالطاعة والدعاء، وبعد أن يستجيب الله لهم ينسون تكاليف العقيدة، ومقتضيات الدين.
قال سيد قطب: «من المنافقين من عاهد الله لئن أنعم الله عليه رزقه، ليبذلنّ الصدقة، وليصلحن العمل، ولكن هذا العهد إنما كان في وقت فقره وعسرته، في وقت الرجاء والطمع، فلمّا استجاب الله له ورزقه من فضله نسي عهده، وتنكّر لوعده، وأدركه الشحّ والبخل فقبض يده، وتولى معرضا عن الوفاء بما عاهد، فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على الله فيه سببا في التمكين للنفاق في قلبه، والموت مع هذا النفاق» [1] .
وهذا النموذج من البشر الذي تعرض له الآية لا يستقر على رأي وموقف بل هو مذبذب في عقيدته وتصوره، مذبذب في سلوكه وأخلاقه، ولذلك عقدت هذه الآية مقابلة بين صورته في حالة الفقر والإملاق، وصورته في حالة الغنى واليسر، وهما صورتان متقابلتان متناقضتان تكشفان عن طبيعة النفاق والمنافقين.
فالآية إذن تقابل بين الفقر والغنى في صورة من صورهما لدى البشر، وهي تكشف لنا عن طبيعة بعض النفوس البشرية التي يجعل منها الفقر مثالا صادقا للصلة بالله، والتقرب إليه بالدعاء والصلاة، وأعمال البرّ لعلّه يكشف السوء، ويغيّر الحال، ويمنّ بالنعمة والغنى، حتى إذا أنجز الله وعده، وقبل دعاءه، ومنّ عليه بالرزق والمال والولد، تغيّرت نفسه، وانقلبت حاله، وبخل بما لديه من مال، بل إنّه قد يتحلل من الصلة التي تربطه بالله، والعلاقة التي تربطه بالمسلمين.
(1) في ظلال القرآن ج 3ص 1679.