وتعدّ الجنة والنار من أبرز الثنائيات في عقيدة اليوم الآخر، وهي من الأبعاد الدينية الكبرى في التصوّر الإسلامي، وقد ثار حولها جدل بشري منذ أقدم الأزمان حيث أن النشور بعد الموت من أصعب القضايا التي تاهت فيها العقول باعتبارها من أمور الغيب التي يصعب إدراكها إلّا بخطاب الأنبياء، وإرسال الرسل.
وقد جاءت رسالات السماء مخبرة ومبيّنة بأن الجزاء الأخروي أمر حتمي، وحدوثه قطعي، فهناك يوم عظيم سيجتمع فيه كل الخلائق وينصب أمامهم ميزان العدل، فيجازي المؤمن على إيمانه، ويجازي الكافر على كفره، ثم يكون لكلّ منهما مصير مستقر، فالمؤمن له الجنة والنعيم والكافر له النار والعذاب، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوََازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيََامَةِ فَلََا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كََانَ مِثْقََالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنََا بِهََا وَكَفى ََ بِنََا حََاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] ، وقال تعالى أيضا: {وَكَذََلِكَ أَوْحَيْنََا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ََ وَمَنْ حَوْلَهََا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لََا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] .
وقد أكثر القرآن الكريم الحديث عن الدار الآخرة، وحسابها الدقيق، ونعيمها المقيم وعذابها الدائم، وأكثر من الحديث للبشر أن حياتهم فوق التراب فترة صغيرة، وأنّ استغراقهم في الأحزان والأفراح خدعة كبيرة، وأن المسلك الوحيد الرشيد هو الإيمان بالله واليوم الآخر [1] .
وقبل الحديث عن إثبات الجزاء والحساب في المنهج القرآني، نريد أن نعرف أن إنكار هذا الموضوع ممتد في الأمم الماضية عبر القرون والأعصر، وأن الفلاسفة الطبيعيين أنكروا ذلك، ونريد أن نعرف بوجه عام الشبهات التي يستمسك بها كل منكر للبعث، وليس لدينا بالنسبة للأمم الماضية سجل تاريخي أصدق من القرآن الكريم، فقد حدثنا عن إنكار تكذيب الأمم السابقة ليوم
(1) محمد الغزالي المحاور الخمسة في القرآن الكريم ص 148.